والكرامة لها مواطن كثيرة، فهناك الكرامة في التفكير، فالكريم على نفسه لا يفكر في مقابح الأمور، والكرامة في القول تمنع صاحبها أن ينطق بفحش، أو يجادل في باطل، أو يماري فيما لا يفيد، والكرامة في العمل لا يفعل صاحبها عملا يسيء إلى سمعته أو مكانته، والكرامة في الصحبة هي التي تمنع صاحبها أن يصادق اللئام، أو يخادن الطغام، والكرامة في النظرة تجعل صاحبها لا يتوقع ولا يتبجح لينظر إلى شيء غيره، أو ما يباح النظر إليه، والكرامة في الاستماع تصون أذن صاحبها عن التجسس وتتبع العورات، والكرامة في معاملة الغير، تجعل صاحبها يمنع نفسه عن الاساءة إليهم في قول أو عمل أو إشارة أو ظن أو حكم،
وما أبلغ قول القرآن في سورة الحجرات:
«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ، وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ، وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ، وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ، وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ، يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ، إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ، وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ» .
ولقد ختم الله توجيهه الحكيم السابق بقوله كما رأينا:
«وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ» .
«إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ» .
وذلك لأن التقوى تكمل النفوس، وبها يتفاضل الاشخاص، فمن أراد شرفا فليلتمسه في التقوى، ومن أراد أن تتوافر له الكرامة عند الله وعند الناس فعليه بالتقوى، وقد جاء في الحديث الشريف: «يا أيها الناس، إنما الناس رجلان، مؤمن تقي كريم على الله، وفاجر شقي هيّن على الله» . وجاء في السنة حديث غريب، يشير إلى أن التقوى هي مفتاح الكرامة العظمى، يقول: «ما شيء أكرم على الله يوم القيامة من ابن آدم» قيل: يا رسول الله، ولا الملائكة؟. قال: «ولا الملائكة، الملائكة
مجبورون بمنزلة الشمس والقمر».