فهرس الكتاب

الصفحة 72 من 1257

بالغضب هنا الغضب لنفس الإنسان ظنّا منه أو توهما أنها تستحق أكثر مما تنال، فيدعوه ذلك إلى الغرور والفجور.

وليس معنى هذا أن التواضع يفتح أمام الإنسان باب المذلة والهوان، بل على العكس من ذلك يؤدي به التواضع إلى العز الحقيقي المحمود عند الله جل جلاله، وعند العقلاء البصراء من الناس، ولذلك قال ابن عطاء الله السكندري: «العز في التواضع، فمن طلبه في الكبر فهو كتطلب الماء في النار» . ولو تكبر الإنسان وتباهى، ولو بطاعته وعبادته، لما ذاق الطعم السليم للتواضع، وهذا زياد النمري يقول: «الزاهد بغير تواضع كالشجرة التي لا تثمر» . والكبر لا يقتصر على التطاول في المشية، أو التبجح في الصوت، بل الكبر الأخطر من ذلك هو - كما قال الحديث - بطر الحق وغمط الناس، وبطر الحق هو رفضه وجحوده، وغمط الناس هو احتقارهم والاستخفاف بهم.

والتواضع أقسام وألوان، وأساسه التواضع أمام دين الله عز وجل، بأن يتقبله الإنسان ويخضع له، ولا يجادل فيه، ولا يعترض عليه برأيه أو هواه؛ ثم يلي ذلك التواضع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا قول للإنسان أمام هديه، ولا هوى يخالف سنته، بل تسليم ومتابعة واقتداء، في أدب وحب واهتداء؛ ثم يلي ذلك التواضع مع الخلق بأن يحفظ الإنسان حقّ غيره، حتى ولو كان عدوا أو مخالفا في الدين، وأن يقبل عذر المعتذر، وأن يفئ إلى الحق مهما كانت الجهة التي جاءه منها ذلك الحق؛ ثم يلي ذلك تواضع الإنسان فيما بينه وبين نفسه، فلا يرى في نفسه لنفسه ما يفتح عليها أبواب الاغترار والتكبر، بل يردعها ويقمعها، فلا تختال ولا تميل.

والتواضع خلق يرتفع في ميزان القرآن الكريم حتى يجعله حلية للأنبياء والمرسلين، عليهم صلوات الله وسلامه أجمعين، وحينما وصف القرآن سيدنا

رسول الله بالرأفة والرحمة والحرص على خير الناس، أراد أن يشعرنا بأنه المثل الأعلى في التواضع. وها هو ذا رب العزة يخاطب نبيّ الرحمة في سورة آل عمران بقوله: (فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ، وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) . ويقول له في سورة الشعراء: (وَاخْفِضْ جَناحَكَ(1) لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ).

ولقد أقام الرسول بعمله وقوله وتصرفاته في حياته الدلائل بعد الدلائل على أنه كان المثل الأعلى للتواضع، فهذا النبي العظيم الذي وصفه القرآن الكريم بأنه رؤوف رحيم، وبأنه الشاهد والمبشّر والنذير، والداعي إلى الله بأمره والسراج المنير، وبأنه رحمة الله للعالمين، هذا النبي الخاتم الجامع كان يجيب دعوة العبد، ويصغي للأمة فلا ينصرف عنها حتى تنصرف، ولا يتميز على أصحابه، بل يشاركهم العمل ما قلّ أو كثر، وإذا دخل بيته كان في خدمة أهله، فهو يحلب الشاة، ويرقع الثوب، ويخصف النعل، ويميل الإناء للهرة لتشرب، ويعلف الدابة، ويعقل البعير، ويطحن بالرحى، ويشتري الشيء من السوق ويحمله، ويأكل مع الخادم، وبجالس المساكين، ويعنى بالأرملة واليتيم والفقير ... الخ.

ويعنى النبي صلوات الله وسلامه عليه بالدعوة إلى التواضع والحث عليه، فيقول: «إن الله أوحى إليّ أن تواضعوا، حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد» . ويقول: «طوبى لمن تواضع في غير مسكنة، وأنفق مالا جمعه في غير معصية، ورحم أهل الذل والمسكنة، وخالط أهل الفقه والحكمة» . ويقول: «الشرف التواضع» . ويقول: «ما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا، وما تواضع أحد إلا رفعه» . ويقول: «أخبركم بمن تحرم

(1) واخفض جناحك: كن رحيما بهم عطوفا عليهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت