وهذا في التحقيق عين المحال الممتنع عقلا وفطرة، وحسا ومعنى، فإن الإرادة من لوازم الحي، وإنما يعرض له التجرد عنها بالغيبة عن عقله وحسه، كالسكر والاغماء والنوم، فنحن لا ننكر التجريد عن إرادة ما سواه من المخلوقات التي تزاحم إرادتها إرادته. أفليس صاحب هذا المقام مريدا لقربه ورضاه ودوام مراقبته والحضور معه؟ وأي إرادة فوق هذه؟.
نعم قد زهد في مراد لمراد هو أجل منه وأعلى، فلم يخرج عن الإرادة، وإنما انتقل من إرادة إلى إرادة، ومن مراد إلى مراد، وأما خلوه عن الإرادة بالكلية مع حضور عقله وحسه فمحال. وان حاكمنا في ذلك محاكم إلى ذوق مصطلم مأخوذ عن نفسه، فإن عن عوالمها، لم ننكر ذلك، لكن هذه
حال عارضة غير دائمة، ولا هي غاية مطلوبة للسالكين، ولا مقدورة للبشر. ولا مأمور بها، ولا هي أعلى المقامات، فيؤمر باكتساب أسبابها، فهذا فصل الخطاب في هذا الموضع. والله سبحانه وتعالى أعلم».
وفي مجال الحديث عن الإرادة نتذكر الاثر السائر: «ان لله عبادا إذا أرادوا أراد» . وإذا كان هناك من يشطح في تفسير هذا الاثر شطحا غير مقبول ولا معقول، فنحن نفهمه على أن عباد الله الابرار يستجيبون لربهم، ويتقيدون بأمره، ويخضعون إرادتهم لإرادته، فلا يكون منهم إلا ما يرضيه، فكأن إرادة الله هي إرادتهم. ونحن نفهم هذا الفهم في ضوء الحديث القدسي المروي عن رب العزة جل جلاله، وقد رواه البخاري في صحيحه، وهو «من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرّب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وان سألني لأعطينه، ولئن استعاذ بي لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن، يكره الموت وأنا اكره مساءته» .