لكأن التواضع أمانة غالية مودعة لدى أنبياء الله ورسله، فهم يحرسونها ويحرصون عليها لتبقى وتدوم.
ولقد تجلت شواهد التواضع من سلف هذه الأمة بصورة رائعة باهرة، فعمر بن الخطاب رضي الله عنه يلبس المرقّع، ويحمل الدقيق للمرأة العجوز، وينفخ على النار لينضج الطعام للأطفال الفقراء، ويطلي إبل الصدقة حتى تبرأ من مرضها، ولقد دعا الناس ذات يوم إلى الاجتماع في المسجد، ثم وقف يخطب ويقول بعد أن حمد الله وأثنى عليه بما هو أهله: «أيها الناس، لقد رأيتني أرعى الغنم على خالات لي من بني مخزوم، فأقبض القبضة من التمر والزبيب فأظل بها يومي» .
ثم نزل، فقال له عبد الرحمن بن عوف: يا أمير المؤمنين، ما زدت على أن عبت نفسك. فقال له عمر: ويحك يا ابن عوف، إني خلوت بنفسي فحدثتني فقالت: أنت أمير المؤمنين، فمن ذا أفضل منك؟. فأردت أن أعرّفها نفسها.
وقال عروة: رأيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه، على عاتقه قربة ماء، فقلت: يا أمير المؤمنين، لا ينبغي لك هذا، فقال: لما أتاني الوفود سامعين مطيعين، دخلت نفسي نخوة فأردت أن اكسرها.
وتفاخرت قريش عند سلمان الفارسي، فقال متواضعا: «لكنني خلقت من نطفة قذرة، ثم أعود جيفة منتنة، ثم آتي الميزان، فإن ثقل فأنا كريم، وإن خفّ فأنا لئيم» . وهذا هو الخليفة العادل خامس الراشدين عمر بن عبد العزيز يضرب الأمثلة الرائعة في التواضع وهو خليفة، فثيابه تقدّر باثني عشر درهما، وكان عنده بعض جلسائه، فاحتاج السراج إلى إصلاح فقام إليه عمر فأصلحه، فقال له من معه: كنا نكفيك ذلك. فقال: ليس من كرم الرجل أن يستخدم
ضيفه، قمت وأنا عمر، ورجعت وأنا عمر، ما نقص مني شيء. ولقد اشترى ابنه خاتما غاليا، فكتب إليه عمر يقول: «بلغني أنك اشتريت خاتما بألف درهم، فإذا أتاك كتابي هذا فبع الخاتم، وأشبع بثمنه ألف بطن، واتخذ لك خاتما بدرهمين، واكتب عليه: رحم الله امرأ عرف قدر نفسه» .