والتواضع إنما يصدق إذا كان عن قدرة، أما إذا رغب الإنسان أو رهب أو خاف من شخص فذلّ له وانكسر معه، فليس ذلك من التواضع في شيء، ولذلك قال ابن السماك لهارون الرشيد: «إن تواضعك في شرفك أشرف لك من شرفك» ، وإنما يصدق التواضع من الكبير مع الصغير، ومن القوي مع الضعيف، ومن العالم مع الجاهل، ومن الغني مع الفقير، ولعل هذا يذكّرنا بقول الإمام علي رضي الله عنه لبعض الصالحين في مقام له: «ما أحسن التواضع بالأغنياء في مجالس الفقراء رغبة منهم في ثواب الله، وأحسن من ذلك تيه الفقراء على الأغنياء ثقة منهم بالله عز وجل» .
وقد يظن بعض الناس أن التواضع معناه إهمال النظافة في البدن أو الثياب أو الأدوات، أو إهمال العناية بمظهر الإنسان وشكله، وليس لهذا الظن نصيب من الحق، لأن الله تبارك وتعالى قد قال: (يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) . وقال رسول الله عليه الصلاة والسّلام: «إن الله جميل يحب الجمال» . ولقد يكون الإنسان طهورا في بدنه وثيابه، أنيقا في شكله ومظهره، متمتعا بطيبات حياته، ومع ذلك يتواضع فيصدق منه التواضع.
وينبغي أن نتذكر أن التواضع يجب أن يكون بقدر ومقدار، لأن الإنسان إذا أسرف في تواضعه فقد وضع نفسه موضع السخرية أو سوء الظن، وإذا كنا نرى من واجبنا أن نحترم الرجل العظيم مرتين، مرة لعظمته، ومرة لتواضعه، فإن المسرف في التواضع يحملنا على الاستهزاء به والاستنكار لعمله. وإذا كنا نعلم أنه ما من فضيلة إلا وهي وسط بين رذيلتي الإفراط والتفريط، فإن التواضع كذلك وسط له طرفان مذمومان، وهذا هو حجة الإسلام الإمام
الغزالي يقول عن التواضع: «اعلم أن هذا الخلق كسائر الأخلاق، له طرفان وواسطة، فطرفه الذي يميل إلى الزيادة يسمّى تكبرا، وطرفه الذي يميل إلى النقصان يسمّى تخاسسا ومذلة، والوسط يسمى تواضعا، والمحمود أن يتواضع في غير مذلّة، ومن غير تخاسس، فإن كلا طرفي الأمور ذميم، وأحب الأعمال إلى الله أوساطها. فمن يتقدم على أمثاله فهو متكبر، ومن يتأخر عنهم فهو متواضع، أي وضع شيئا من قدره الذي يستحقه، والعالم إذا دخل عليه إسكافي فتنحى له عن مجلسه وأجلسه فيه، ثم تقدم وسوّى له نعله، وغدا إلى باب الدار خلفه فقد تخسس وتذلل، وهذا أيضا غير محمود، بل المحمود عند الله العدل، وهو أن يعطي كلّ ذي حق حقّه.