فينبغي أن يتواضع بمثل هذا لأقرانه ومن يقرب من درجته، فأما تواضعه للسوقي فبالقيام، والبشر في الكلام، والرفق في السؤال، وإجابة دعوته، والسعي في حاجته، وأمثال ذلك، وألا يرى نفسه خيرا منه، بل يكون على نفسه أخوف منه على غيره، فلا يحتقره ولا يستصغره، وهو لا يعرف خاتمة أمره.
ومتى صدق الإنسان في تواضعه، وجعله وسطا معتدلا لا إفراط فيه ولا تفريط، حقق الله له من الثمرات، بمنافع ما يحرمه الغافل المتكبر، فبالتواضع يصلح القلب ويطهر، ولذلك جعل أبو عثمان الحيري النيسابوري التواضع أحد أربعة أمور يصلح بها القلب فقال: «صلاح القلب في أربع خصال: في التواضع لله، والفقر إلى الله، والخوف من الله، والرجاء في الله» وكذلك ينال المتواضع عفو الله ورحمه ونعمته، ولذلك قال يوسف بن الحسين الرازي:
«الخير كلّه في بيت، ومفتاحه التواضع، والشر كله في بيت، ومفتاحه التكبر، ومما يدلك على ذلك أن آدم عليه السلام تواضع في ذنبه، فنال العفو والكرامة، وأن إبليس تكبر فلم ينفعه شيء» .
وهذا يذكّرنا بما جاء في كتاب «نهج البلاغة» للإمام علي، إذ يقول في
صدر خطبة طويلة له: «الحمد لله الذي لبس العزّ والكبرياء، واختارهما لنفسه دون خلقه، وجعلهما حمى وحراما على غيره، واصطفاهما لجلاله، وجعل اللعنة على من نازعه فيهما من عباده، ثم اختبر بذلك ملائكته المقربين ليميز المتواضعين منهم من المستكبرين، فقال سبحانه وهو العالم بمضمرات القلوب ومحجوبات الغيوب: (إِنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ، فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ، فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيسَ) اعترضته الحمية فافتخر على آدم بخلقه، وتعصب عليه لأصله، فعدو الله إمام المتعصبين وسلف المستكبرين، الذي وضع أساس العصبية، ونازع الله رداء الجبرية، وادّرع لباس التعزز. وخلع قناع التذلل. ألا ترون كيف صغّره الله بتكبره، ووضعه بترفعه، فجعله في الدنيا مدحورا، وأعد له في الآخرة سعيرا» .