فهرس الكتاب

الصفحة 806 من 1257

لو فارقه ذلك لفارق ما هو من طبيعته وسجيته. فحياة من قد طبع على الحياء والعفة والجود والسخاء، والمروءة والصدق والوفاء ونحوها، أتم من حياة من يقهر نفسه، ويغالب طبعه، حتى يكون كذلك. فإن هذا بمنزلة من تعارضه أسباب الداء وهو يعالجها ويقهرها بأضدادها، وذلك بمنزلة من قد عوفي من ذلك.

وكلما كانت هذه الأخلاق في صاحبها أكمل كانت حياته أقوى وأتم. ولهذا كان خلق (الحياء) مشتقا من (الحياة) اسما وحقيقة، فأكمل الناس حياة أكملهم حياء، ونقصان حياء المرء من نقصان حياته، فإن الروح إذا ماتت لم تحس بما يؤلمها من القبائح فلا تستحيي منها، فإذا كانت صحيحة الحياة أحست بذلك فاستحيت منه.

وكذلك سائر الأخلاق الفاضلة والصفات الممدوحة تابعة لقوة الحياة، وضدها من نقصان الحياة. ولهذا كانت حياة الشجاع أكمل من حياة الجبان، وحياة السخي أكمل من حياة البخيل، وحياة الفطن الذكي أكمل من حياة الفدم البليد.

ولهذا لما كان الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - أكمل الناس حياة، حتى ان قوة حياتهم تمنع الأرض أن تبلي أجسامهم، كانوا أكمل الناس في هذه الأخلاق، ثم الامثل فالامثل من أتباعهم».

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت