وإذا كانت كلمة «الحياة» قد شغلت صفحات وصفحات من معجمات العربية الكبيرة كلسان العرب، مما يدل على قوة احساسهم بشؤون الحياة وعنايتهم بما يتعلق بها، فإن مادة «الحياة» قد تكررت عشرات المرات في كتاب العربية الاقدس وهو القرآن المجيد، والكثير من مواطن استعمالها يفيد معاني أخلاقية، ومن ذلك قول الحق جل جلاله في سورة الأنعام:
«أَوَمَنْ كانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْناهُ، وَجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ، كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها، كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ» (1) .
وقد علق الرازي على الآية الكريمة بأن الارواح البشرية لها أربع مراتب في المعرفة، فالأولى كونها مستعدة لقبول المعارف، والارواح تختلف في درجات هذا الاستعداد، فبعض الارواح لديها استعداد كامل قوي شريف، وبعضها يكون استعدادها ضعيفا قليلا. والمرتبة الثانية أن يحصل لها العلوم الكلية الأولية، وهي المسماة بالعقل. والمرتبة الثالثة أن يحاول الإنسان تركيب البديهيات ليتوصل بتركيبها إلى معرفة المجهولات الكسبية، فإذا شاء استرجاعها واستحضارها قدر عليه إذا كانت غير حاضرة بالفعل، والمرتبة الرابعة أن تكون تلك المعارف القدسية والجلايا الروحانية حاضرة بالفعل يستضيء بها جوهر ذلك الروح.
فالمراد بقوله تعالى: «فَأَحْيَيْناهُ» هو أن تحصل العلوم البديهية الكلية فيه. والمراد بقوله تعالى: «وَجَعَلْنا لَهُ نُورًا» هو تركيب البديهيات حتى يتوصل بتركيباتها إلى تعرف المجهولات النظرية، والمراد بقوله تعالى: «يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ» هو الإشارة إلى كونه مستحضرا الجلايا القدسية ناظرا إليها.
ويمكن أن يقال: الحياة عبارة عن الاستعداد القائم بجوهر الروح، والنور عبارة عن ايصال نور الوحي والتنزيل، فإنه لا بد في الأبصار من سلامة الحاسة وطلوع الشمس، والبصيرة لا بد فيها من أمرين: سلامة حاسة العقل، وطلوع نور الوحي والتنزيل، ولهذا قيل ان النور في الآية
(1) سورة الأنعام، الآية 122.