فهرس الكتاب

الصفحة 907 من 1257

ويرى القشيري أن الوجل هنا هو شدة الخوف، فالمؤمنون يوجلون عن مواطن الغيبة ومساكن الغفلة، ويفيئون إلى مشاهد ذكر الله لينالوا السكون منه، وهم يزيدون عند سماعهم آيات ربهم تصديقا على تصديق، وتحقيقا على تحقيق، فإذا طالعوا جلال قدره، وأيقنوا قصورهم عن ادراكه، توكلوا عليه سبحانه. وإذا كاشفهم ربهم بجلاله وجلت منهم القلوب، وإذا لاطفهم بجماله سكنت هذه القلوب، وهم يخافون البعد عنه، ويفرحون للقرب منه.

ولقد قيل للحسن: يا أبا سعيد، أمؤمن أنت؟.

فقال: الإيمان إيمانان، فإن كنت تسألني عن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، والجنة والنار، والبعث والحساب، فأنا به مؤمن. وان

كنت تسألني عن قول الله تبارك وتعالى: «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ» إلى آخر الآية، فو الله ما أدري أنا منهم أم لا.

وهذا الجواب من الحسن يدل على المكانة الرفيعة لفضيلة «الوجل» .

وجاء ذكر «الوجل» في موطن آخر من القرآن الكريم: في سورة الحج حيث يقول التنزيل:

«وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ، الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلى ما أَصابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ» .

وهنا عدة صفات ذكرها التنزيل عن المخبتين، والإخبات هو الطاعة باستقامة ودوام، وقد تحدثت عنه في الجزء الثاني من كتابي «أخلاق القرآن» ص 240 - 248. وهذه الصفات هي:

1 -الوجل عند ذكر الله.

2 -الصبر على ما يصيب الإنسان.

3 -اقام الصلاة.

4 -الإنفاق من رزق الله.

وأول هذه الصفات كما نرى هو الوجل عند ذكر الله.

وعن عمرو بن أوس أن هؤلاء يظهر عليهم الخوف من عقاب الله تعالى، والخشوع والتواضع لله. ثم ان لذلك الوجل أثرين: الأول هو الصبر عن المكاره، وذلك هو المراد بقوله: «وَالصَّابِرِينَ عَلى ما أَصابَهُمْ)،» وعلى ما يكون من قبل الله تعالى، لأنه الذي يجب الصبر عليه، كالأمراض

والمحن والمصائب، فأما ما يصيبهم من جهة الظلمة، فالصبر عليه غير واجب، بل ان أمكنه دفع ذلك لزمه الدفع، ولو بالمقاتلة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت