فهرس الكتاب

الصفحة 97 من 1257

ومن أروع مواقف الثبات في تاريخ الإسلام، ثبات القلة المؤمنة في اليوم العصيب الشديد: يوم غزوة أحد، وكأن القدر أجرى على لسان الرسول في أول الغزوة ما يشير إلى ضرورة هذا الثبات، حيث قال للرماة الذين طالبهم بحماية ظهر الجيش من فوق الجبل: «إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم هذا حتى أرسل إليكم، وإن رأيتمونا قد هزمنا القوم فلا تبرحوا مكانكم حتى أرسل إليكم» .

والحق الذي لا شك فيه أنه لم ينقذ المسلمين من حرب الإبادة والإفناء في هذه الغزوة - غزوة أحد - إلا ثبات الطائفة القليلة من المجاهدين المخلصين .. فحينما أشيع بين المحاربين أن الرسول قد مات، تخاذل بعض المقاتلين، ولكن أنس ابن النضر هتف بأعلى صوته يقول: «يا قوم، إن كان محمد قد قتل فإن رب محمد لم يقتل، فقاتلوا على ما قاتل عليه محمد صلى الله عليه وسلم، اللهم إني أعتذر إليك مما يقول هؤلاء، وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء» .. ثم شد بسيفه وقاتل حتى قتل، وكان لأنس من المسلمين أشباه ونظائر ثبتوا وقاوموا، وفي هذا نزل قول الله تعالى في سورة آل عمران:

(وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ، أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ؟ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ، وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ كِتابًا مُؤَجَّلًا، وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها، وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها، وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ) .

ولقد ضرب رسول الله - صلوات الله وسلامه عليه - المثل الأعلى في ثبات النفس، وثبات الحس في غزوة أحد .. فقد أصيب في وجهه وشفتيه وأسنانه، وسال الدم الزكي على وجهه الشريف، وتعب كثيرا، حتى صلى الظهر قاعدا بسبب الجراح التي نالته، وحينما جاء عدو الله «أبيّ بن خلف» يقول: أين محمد؟ لا نجوت إن نجا. قال الصحابة: يا رسول الله، هل يعطف عليه أحدنا ليقتله؟. فقال: دعوه .. فلما اقترب من الرسول تناول الرسول الحربة من

أحد الصحابة، وبكل ثبات واطمئنان طعنه بها طعنة قتلته.

ومن هنا قال المقداد عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد: «فو الذي بعثه بالحق ما زلت قدمه شبرا واحدا، وإنه لفي وجه العدو، تفيء إليه طائفة من أصحابه مرة، وتفترق عنه أخرى، وهو قائم يرمي عن قوسه، ويرمي بالحجر، حتى انحازوا عنه» .

وبعد غزوة أحد، وفي اليوم التالي مباشرة، أمر الرسول بالخروج لتعقّب فلول الأعداء المشركين، وقال: «لا ينطلقن معي إلا من شهد القتال بالأمس» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت