فهرس الكتاب

الصفحة 1177 من 2203

608/ 2802 - قال أبو عبد الله: حدَّثنا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قال: حدَّثنا أَبُو عَوَانَةَ، عن الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ:

عَنْ جُنْدُبِ بْنِ سُفْيَانَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ فِي بَعْضِ المَشَاهِدِ، وَقَدْ دَمِيَتْ إِصْبَعُهُ، فَقَالَ:

~ «هَلْ أَنْتِ إلَّا إِصْبَعٌ دَمِيَتْ؟! وَفِي سَبِيلِ اللهِ ما لَقِيَتْ؟!»

قد اختلف الناسُ في هذا وما أشبهه من الرَّجز الذي جرى على لسانِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره، وفي أوقاته، وفي تأويل ذلكَ مع شَهادةِ

[1] اللهِ عزَّ وجلَّ له [2] بأنَّه لم يُعلِّمْه [3] الشِّعرَ ولا ينبغي له.

فذهب بعضُهم إلى أنَّ الرَّجَزَ ليس بشعرٍ، ولا يكون الشِّعرُ إلَّا بيتًا [4] مُقفى [5] آخِرُهُ بعد تمامِ أوصالهِ على أَحَدِ [6] الأعاريضِ المشهورة من أنواعه، وأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم لم يُنشِدْ قَطُّ بيتَ شِعرٍ تامًّا، ألا تراه حين [7] ذكر قول طرفة قال:

~ ... ... ... ... ... ... ... «ويأتيكَ مِنْ لَم تُزَوِّدِ بالأخبار» [8] .

ص 451

فقدَّمَ الحرفَ [9] المُؤَخَّرَ؛ لئلَّا يَستقيمَ عَرُوضُ البيت. وقال حين ذَكَرَ قول العبَّاس بن مِرداسٍ:

~ ... ... ... ... ... ... «بين الأقرَعِ وعُيَيْنَةَ» [10] .

وذهب بعضهم إلى أنَّ هذا الكلامَ وما أشبههُ من سائر القولِ، وإنِ استَوَى على وزنِ الشِّعرِ فإنَّه لم يُقصد به الشِّعر [11] ؛ إذ [12] لم يكن مَصدرُه عن نِيَّةٍ له ورَوِيَّةٍ فيه [13] ، وإنَّما هو اتِّفاقُ كلامٍ يقعُ [14] أحيانًا فيخرجُ الشيءُ منه بعد الشيء على بعض أعاريض الشِّعرِ، وقد وُجِدَ منه في كتاب اللهِ عزَّ وجلَّ الذي {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت: 42] كقوله: {وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ} [سبأ: 13] وهو مَا لاَ يُشكُّ فيه أنَّه [15] ليس بِشِعْرٍ، وإنِ اتَّزَنَ الكلامُ فيه بزنةِ [16] الشعر، وحكى عمرو بنُ بحر [17] أنَّه سَمِعَ بعضَ المرضى وقد تعالج بالكيِّ [18] وهو يَتَضَوَّرُ [19] ويقول: اذهبوا بي إلى الطبيب وقولوا: قد اكتوى. فَخَرجَ مُرسلُ [20] كلامه على وزن الشعر: فَاعِلاتٌ مَفَاعلٌ فَاعلاتٌ مَفَاعلٌ [21] ، وذَكَرَ من هذا النوع أشياءَ قد يَكثُرُ وُجُودُها في كَلامِ الناسِ.

وقال بعضُهم: معنى قول الله تعالى {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ} [يس: 69] : الرَّدُّ على المشركين في قولهم: {بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ} [الأنبياء: 5] . والبيتُ الواحد من الشعر لا يلزمه هذا الاسمَ، ولا يوجِبُ [22] أنْ يكونَ به شاعرًا، فيُخالفُ معنى الآية، هذا مع [23] قوله: «إنَّ مِنَ الشعر حِكمةً [24] » . وإنَّما [25] الشاعرُ هو الذي يُقَصِّدُ الشِّعرَ، ويُشبِّبُ ويَصفُ ويمدَحُ، ويتصرَّفُ تَصَرفَ الشعراء في هذه الأفانين، وقد بَرَّأ اللهُ رَسُولهُ من ذلك، وصَانَ قَدرهُ عنه، وأخبر أنَّ الشِّعر لا ينبغي له، وإذا [26] كان مُرادُ الآيةِ هذا المعنى لم يَدفَعْ [27] أن يجريَ على لِسانِهِ الشَّيءُ اليَسيرُ منه، فلا يَلزمُه الاسمُ المَنفيُّ عنه، والله أعلم.

[1] في (أ) : (مع قول) .

[2] (له) سقطت من (ط) .

[3] في (ف) و (م) : (لم يعلم) .

[4] زاد في الفروع: (تامًا) وتحرفت في (أ) إلى (إما) .

[5] في (أ) : (متفقًا) وفي (م) : (منقى) .

[6] في الفروع: (إحدى) .

[7] في (ر) : (حيث) .

[8] عجز بيت من معلقة طرفة بن العبد، والبيت بتمامه كما في الديوان

~ستبدي لك الأيامُ ما كنتَ جاهلًا ويأتيك بالأخبار مَنْ لم تُزَوَّدِ

وله في تفسير الطبري 23/ 26، وشرح القصائد المشهورات.

وشرح القصائد العشر 158، و عمدة الحفاظ 1/ 332 (بغى) . والبحر المحيط 9/ 80.

[9] (الحرف) سقطت من (ط) .

[10] عجز البيت للعباس بن مرداس السلمي في أحكام القرآن لابن العربي 4/ 1601 وتفسير القرطبي 15/ 51 والبحر المحيط 9/ 80 واللسان، و التاج (نهب) والبيت بتمامه:

~أتَجعلُ نهبِي ونَهبَ العُبيـ دِ بين عُيينةَ والأقرَعِ.

والعبيدُ: بالتَّصغير: اسم فرسه. انظر الإصابة لابن حجر (5/ 330)

[11] قوله (لم يقصد به الشعر) سقط من (م) .

[12] في الأصل: (إذا) والمثبت من (ط) .

[13] في (ر) : (عنه) .

[14] هنا تبدأ الورقة (125) من (ط) وهي مفقودة مع الورقة: (126) .

[15] زاد في الفروع: (من أنه) .

[16] في (أ) : (بزينة) وفي (م) : (بمنزلة) .

[17] انظر: البيان والتبين للجاحظ (1/ 195)

[18] قوله: (وقد تعالج بالكي) زيادة من الفروع.

[19] في (أ) : (وهو منصور) .

[20] في (ر) و (ف) : (من مثل) .

[21] في (أ) و (م) : (فاعلات مفاعلن فاعلات مفاعلن) .

[22] في (ف) : (ولا يجوز) .

[23] في (م) : (معنى) .

[24] في (أ) و (م) : (لحكمة) . وانظر البخاري رقم (6145) ، عن أبي بن كعب.

[25] في (م) : (وإن) .

[26] في (م) : (وإن) .

[27] في (م) : (مراد الله الآية هذا لم يدفع) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت