354/ 1635 - قال أبو عبد الله: حدَّثنا إِسْحاقُ بن شاهين، قال: حدَّثنا خالِدٌ، عن خالِدٍ، عن عِكْرِمَةَ:
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم جاءَ إلى السِّقايَةِ، فاسْتَسْقَىَ، فقالَ العَبَّاسُ: يا فَضْلُ، اذْهَبْ إلىَ أُمِّكَ، فَأْتِ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِشَرابٍ مِنْ عِنْدِها. فقالَ: «اسْقِنِي» . قالَ: يا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ أَيْدِيَهُمْ فِيهِ. قالَ: «اسْقِنِي» . فَشَرِبَ منه، ثُمَّ أَتَىَ زَمْزَمَ، وَهُمْ يَسْتقُونَ وَيَعْمَلُونَ فيها، فقالَ: «اعْمَلُوا
[1] ؛ فَإِنَّكُمْ علىَ عَمَلٍ صالِحٍ». وقالَ: «لَوْلا أَنْ تُغْلَبُوا لَنَزَلْتُ حَتَّىَ أَضَعَ الحَبْلَ علىَ هَذِهِ» . يَعْنِي: عاتِقَهُ، وَأَشارَ إلىَ عاتِقِهِ.
فيه من العلم [2] : أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم إنَّما حُرِّمت عليه الصَّدقَات الواجِبةُ في الأموال، فأمَّا الصَّدقَةُ [3] التي سبيلُها المعروف، كالمياهِ التي تكون في السِّقاياتِ تَشْرَبُها المارَّةُ [4] واللبن يُحْلَبُ عند وُرُودِ [5] الإبلِ يُسْقَاهُ الوَاردَةُ، فإنَّها لم تُحرَّم عليه، وقد استسقى اللبن في مَخْرَجِهِ إلى المدينة، فَسُقِيَ فَشَرِبَ [6] ، وجَرى في ذلك [7] على المَعْهودِ من عاداتِ أبناءِ السَّبيلِ.
وفيه إثباتُ أمرِ سِقَايةِ الحاجِّ، وتقريرهُ على ما كان عليه، وممَّا يُؤَكِّدُ ذلك تَرخيصُه [8] للعبَّاسِ وأهل السِّقايةِ [9] أن يتركوا ليالي [10] مِنىً المَبِيتَ بها من أَجْلِ [11] سِقايتهم [12] .
وفي قوله: (لولا أن تُغلَبُوا عليه لَنَزَلْتُ [13] ) دليلٌ على أنَّ ظاهرَ أفعاله فيما يَتَّصلُ بأُمُورِ الشَّريعةِ [14] على الوُجُوبِ [15] ، فَتَركَ الفِعلَ شَفَقًا
ص 292
أن يُتَّخَذَ وَاجبًا [16] ، ورَغِبَ في الفضلِ بما اسْتَحَبَّه وتَمَنَّاهُ لولا ما استَثْناهُ من العُذْرِ فيه.
[1] في (أ) زيادة: (ما شئتم) .
[2] في الفروع: (الفقه)
[3] في (ط) والفروع: (الصدقات) ، على الجمع.
[4] في (ط) : (اللبن المارة) .
[5] في (أ) و (م) : (ورد) .
[6] انظر: البخاري رقم (3615) ، عن البراء بن عازب.
[7] في الفروع: (وجرى فيه) .
[8] في الفروع: (ولذلك رخص) .
[9] في الفروع: (وأهله) .
[10] في (ط) : (لليالي) .
[11] في (ط) : (لأجل) .
[12] انظر: البخاري رقم (1634) ، عن عبد الله بن عمر.
[13] في الفروع زيادة: (حتى أضع) .
[14] في الفروع: (المتصلة بالشريعة) .
[15] قال ابن حجر: وفيه نظر. فتح الباري 3/ 492.
[16] في الفروع: (يتخذ سنة واجبة اقتداء بفعله) .