412/ 1979 - قال أبو عبد الله: حدَّثنا آدَمُ، قال: حدَّثنا شُعْبَةُ، قال: حدَّثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثابِتٍ، قالَ: سَمِعْتُ أَبا الْعَبَّاسِ الْمَكِّيَّ _وَكانَ شاعِرًا، وَكانَ لا يُتَّهَمُ فِي حَدِيثِهِ_ قالَ:
سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعاصِ، قالَ: قالَ رسول الله
[1] صلى الله عليه وسلم: «إِنَّكَ لَتَصُومُ الدَّهْرَ، وَتَقُومُ اللَّيْلَ؟!» فَقُلْتُ: نَعَمْ. قالَ: «إِنَّكَ إذا فَعَلْتَ ذَلِكَ هَجَمَتْ لَهُ الْعَيْنُ، وَنَفِهَتْ [2] لَهُ النَّفْسُ، لا صامَ مَنْ صامَ الدَّهْرَ، صَوْمُ [3] ثَلاثَةِ أَيَّامٍ صَوْمُ الدَّهْرِ كُلِّهِ» . قال: فَإِنِّي أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. قالَ: «فَصُمْ صَوْمَ داوُدَ: كانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا، وَلا يَفِرُّ إذا لاقَىَ» .
قوله: (هجمتْ له العين) معناه: سَقَطتْ وغارت.
وقوله: (نَفِهَتْ) معناه: أَعْيتْ وكَلَّت.
ص 320
والمعنى أنَّ المؤمنَ لم [4] يُتَعَبَّد بالصوم فقط حتَّى إذا أمعن فيه واجتهد كان قد قضى حقَّ التعبُّد كلَّه، وإنَّما تُعِّبدَ [5] بأنواعٍ من العمل، كالجهادِ والحجِّ ونحوهما [6] ، فإذا استفرغ جُهدَهُ في الصومِ فبلغ به حَدَّ غَورِ العين وكَلالِ البدنِ انقطعت قوَّتُه وبَطلَتْ سائر أبواب العبادةِ، فأمرهُ بالاقتصادِ في [7] الصَّومِ؛ ليستَبقي [8] بعضَ القوَّة [9] لسائر الأعمال.
وقوله: (لا صَامَ مَنْ صَامَ الدَّهرَ) يكون بمعنى الدُّعاء عليه، وقد يكون أيضًا (لاَ) بمعنى (لم) ، كقوله [10] {فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى} [القيامة: 31] ، وكقول أُمَيَّةَ [11] :
~إنْ تَغفِرِ اللَّهُمَ تَغفر جَمَّا وأيُّ عَبدٍ لك لاَ ألَمَّا [12]
وقوله: عند ذكر داود: (وكان لا يفرُّ [13] إذا لاقَى) يُؤيِّدُ ما قُلناهُ، يريدُ أنَّه كان لا يسْتنفِدُ وُسعَهُ في الصَّومِ، وإنَّما كان يصومُ يومًا ويفطرِ يومًا استبقاءً لِقوَّتِهِ من أجل الجهاد؛ لئلاَّ يَضْعُف، فإنَّه كان لا يفرُّ إذَا لاقَى [14] .
[1] في (ط) و (ف) و (م) : (النبي) وفي (أ) و (ف) : (قال لي) .
[2] في الأصل و (أ) : (نقهت) بالقاف والمثبت من (ط) .
[3] في (ط) : (الصوم) .
[4] في (م) : (لا) .
[5] في (أ) و (م) : (يتعبد) .
[6] في الفروع: (كالحج والجهاد ونحوه) .
[7] (في) سقطت من (ط) .
[8] في (ط) : (استبقى) .
[9] في الفروع: (قوته) .
[10] في الأصل (لا صدق) دون الفاء.
[11] في (أ) و (م) : (الشاعر) .
[12] الرجز لأمية بن أبي الصلت في عمدة الحفاظ 4/ 2406 (لمم) والعين 8/ 350 (لا) واللسان، و التاج (لمم) وشرح شواهد المغني 4/ 397 والإتقان 1/ 414.
وينسب لأبي خراش في الأزهيه 158، وأمالي الشجري 2/ 228 وطبقات فحول الشعراء 1/ 267.
[13] في (ط) : (لا نقى) .
[14] في الفروع: (ولذلك ذكر داود وصومه وأنه اسبقى قوته للجهاد حتى لم يفر حين لقي العدو) .