311/ 1465 - قال أبو عبد الله: حدَّثنا مُعاذُ بْنُ فَضالَةَ، قال: حدَّثنا هِشامٌ، عن يَحْيَىَ، عن هِلالِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ: حدَّثنا عَطاءُ بْنُ يَسارٍ:
أَنَّهُ سَمِعَ أَبا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ يُحَدِّثُ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم جَلَسَ ذاتَ يَوْمٍ على المِنْبَرِ، وَجَلَسْنا حَوْلَهُ
[1] ، فقالَ: «إِنَّ مِمَّا أَخافُ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِي ما يُفْتَحُ عَلَيْكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيا وَزِينَتِها» . فقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللهِ، أَوَيَأتِي الخَيْرُ بِالشَّرِّ؟ فَسَكَتَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَقِيلَ لَهُ: ما شَأنُكَ تُكَلِّمُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَلا يُكَلِّمُكَ؟ فَرُئيْنا [2] أَنَّهُ يُنْزَلُ عَلَيْهِ، قالَ: فَمَسَحَ عَنْهُ [3] الرُّحَضاءَ، فقالَ: «أَيْنَ السَّائِلُ؟» وَكَأَنَّهُ حَمِدَهُ، فقالَ: «إِنَّهُ لا يَأتِي الخَيْرُ بِالشَّرِّ، وَإِنَّ مِمَّا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ
ص 260
يَقْتُلُ [4] أَوْ يُلِمُّ، إلَّا آكِلَةَ الخَضر، أَكَلَتْ حَتَّىَ إذا امْتَدَّتْ [5] خاصِرَتاها، اسْتَقْبَلَتْ عَيْنَ الشَّمْسِ، فَثَلَطَتْ، وَبالَتْ، وَرَتَعَتْ، وَإِنَّ هَذا المالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فَنِعْمَ صاحِبُ المُسْلِمِ؛ ما أَعْطَىَ منه المِسْكِينَ واليَتِيمَ وابْنَ السَّبِيلِ _أَوْ كَما قالَ _ وَإِنَّهُ مَنْ [6] يَأخُذُهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ كالَّذِي يَأكُلُ وَلا يَشْبَعُ، وَيَكُونُ شَهِيدًا عَلَيْهِ [7] يَوْمَ القِيامَةِ».
قوله: (إنَّه لا يأَتي الخَيرُ بالشَّرِّ، وإنَّ مِمَّا يُنْبت الرَّبيع يَقْتُلُ أو يُلمُّ) سقط من الكلام في الرواية [8] (ما) [9] هو مَثَلٌ ضربَه صلى الله عليه وسلم، انْتَظَم الجَوابَ عن مَسْألته، واسْتَثْنى منها مَوْضِعَ الشُّبْهة بالشَّرط الذي ذَكره فيه.
يُريدُ [10] أنَّ جَمعَ المالِ واكتسابه غيرُ مُحرَّم، ولكَنَّ الاستكثارَ منه، والخُروجَ [11] من [12] حَدِّ الاقتصَادِ فيه ضَارٌّ، كما أنَّ الاستكثارَ من المأكل مُسْقِمٌ من غير تحريمٍ [13] للأكل، ولكنَّ الاقْتصادَ فيه هو المُختار المَحمود.
والمعنى أنَّ مَرْعَى الرَّبيع ونَباتَه رَخْصٌ [14] ناعِمٌ [15] ، تَسْتحْلِيهِ [16] الماشية فتستكثر منه [17] ، فتَنتفخُ بُطونُها [18] ، ورُبَّما كان ذلك سَببًَا لهلاكها [19] ، وذلك مَثَلُ المُسْتَكْثر من الدُّنيا، الحريص عليها وعلى جمعها.
ومعنى قولِه: (يُلمُّ) يَقُرُبُ، أو يُسْرِعُ أن يكون منه [20] التَّلَفُ.
وقوله: (إلَّا آكلة الخَضِر) فإنَّه مَثَل المُقْتَصِد [21] في طَلَب الدُّنيا، القانع منها بقَدْر الكِفايَة، والخَضِرُ من كَلأ الصَّيف، وليس من أَحْرار [22] بُقُول الربيع الرَّخص، الذي تَسْتكْثر منه الماشيةٌ، وإنَّما تَرْتَعُ منه شَيئًا شيئًا، ولا تَسْتَكِثْر منه فَتَستَوْبلَه، وجعل ما يكون من ثَلَطها وبَوْلها مَثَل الإخراج مَا يكْسِبهُ من المال [23] في الحُقُوق، ووَضْعِه فيها.
وفيه الحَضُّ على الاقْتصاد في المال، والحَثُّ على الصَّدَقة والمَعروف، وتَرْك الإمْسَاك والادِّخار.
وقوله: (وإنَّ [24] المالَ خَضِرةٌ [25] حُلْوةٌ) يريد: أنَّ صورَة الدُّنيا ومَتَاعَها حَسَنَةُ المَنْظَر مُونِقَةٌ، تُعْجبُ النَّاظِرَ [26] ، ولذلك:
ص 261
أنَّثَ، والعربُ تُسمِّي الشيءَ المُشْرِقَ النَّاظِرَ [27] خضِرًا؛ تَشْبيهًا له بالنبات الأخضر، ويقال: إنَّما سُمِّي الخَضِرُ خَضِرًا لِحُسْنه ولإشْراقِ وَجْهِه [28] .
و (الرُّحَضاء) : عَرَقٌ يَرْحَضُ الجِلْدَ لكثرته.
[1] (حوله) سقطت من (أ) و (م) .
[2] في (أ) و (م) : (فرأينا) .
[3] في (ط) : (عليه) .
[4] في الفروع: (يقتل خبطًا) .
[5] في (م) : (أفسدت) .
[6] في (م) : (ولمن من) .
[7] في الفروع: (عليه شهيدًا) .
[8] في (م) : (الروايات) .
[9] هي رواية البخاري رقم (2842) عن أبي سعيد الخدري.
[10] في الفروع: (والمعنى) .
[11] قوله: (والخروج) سقط من الأصل والمثبت من (ط) .
[12] في الفروع: (عن) .
[13] في الفروع: (غير محرم) .
[14] (الرَّخْصُ) : الشيء الناعم اللين (التاج _ رخص_) .
[15] في الفروع: (خضر ناعم رخص) .
[16] في (ط) : (تستحيله) .
[17] قوله: (فتستكثر منه) زيادة من الفروع.
[18] في الفروع: (حتى ربما انتفخ بطنها) إلَّا (م) فقد سقط منها (بطنها) .
[19] في الفروع: (سبب هلاكها) .
[20] في (ط) : (معه) .
[21] في الفروع: (كالمقتصد) .
[22] في (م) : (أحرا) .
[23] في الفروع: (مثلًا لما يخرجه من المال المكتسب) .
[24] في الفروع: (إن هذا المال) .
[25] (خضرة) سقطت من (أ) .
[26] في (ط) : (الناط) .
[27] في (أ) : (والنضر) وفي (م) : (والناضر) .
[28] في الفروع: (لحسن وجهه وإشراقه) .