523/ 2402 - قال أبو عبد الله: حدَّثنا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، قال: حدَّثنا زُهَيْرٌ، قال: حدَّثنا يَحْيَىَ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: أخبرني أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ أَخْبَرَهُ: أَنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ أَخْبَرَهُ:
أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قال رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، أَوْ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «مَنْ أَدْرَكَ مَالَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ رَجُلٍ _أَوْ: إِنْسَانٍ_ قَدْ أَفْلَسَ فَهْوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ» .
قلت: هذه سُنَّةُ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، سَنَّها في استدراك حَقِّ مَنْ بَاعَ على حُسْنِ الظَّنِّ بالوفاء فَأخْلَفَ موْضِع ظَنِّه
[1] ، وظَهَرَ على إفْلاسٍ من غريمه.
ثمَّ إنَّ في الأصول أنَّ الأعيانَ والذِّمَمَ، إذا تَقَابَلَتْ كانت الأعيانُ مُقَدَّمَةً على الذِّمَم، وقد قال بُموجِبِ هذا الحديث غير واحدٍ من العلماء [2] ، إلَّا أن بعضهم يجعلُه أَحَقَّ بمتَاعِهِ مالم يَقْبِض من الثمن شيئًا، فإذا اقْتَضَى من الثمن [3] شيئًا صَارَ أُسْوَةَ الغُرماء في الباقي، وإلى هذا [4] ذهب مالك بن أنس، [5] ومَدَّ [6] الشافعيُّ الحُكْمَ في ذلك على عُمومِه، فجعله أَحَقَّ بجميع مَتَاعه، وبكلِّ جُزْءٍ منه، سواءٌ كان اقتضى شيئًا من الثمن أو لم يكن اقتضاهُ [7] ، وكذلك إذا غَيَّرَ الشيءَ عن [8] هيئته [9] فاسْتبدل [10] اسمًا غيرهُ [11] أخَصَّ به، مثل [12] أن تكونَ حِنْطَةً فَطُحِنَتْ، فُتَسَمَّى [13] دَقيقًا، أو شاةً فَذُبَحتْ، فَتُسمَّى لحمًا، وكذلك إذا [14] ماتَ الغريمُ مُفْلسًا، فإنَّه يرى صَاحٍبَ السِّلْعَة أَحَقَّ بها، كَهُوَ لو كان [15] أَفْلَسَ حَيًّا.
وإنَّما رَغبَ [16] عن هذا القول مَنْ رَغبَ عنه مَنْ قَبِل أنَّه [17] زَعَم أنَّ المبتاعَ [18] إذا اشترى الشيءَ وقَبَضَهُ فقد صَارَ مِنْ ضَمَانِه كَسَائر أمْلاكِهِ، فلا يجوز أن يُنْقَضَ [19] عليه ملْكُه؛ لئلَّا يُؤَدِّي
ص 392
ذلك إلى [20] مخالفة الأصول في مثله.
قلت: الحديث إذا صَحَّ وثبت صَارَ أَصْلًا يجبُ أن يُقَرَّ على مَوْضِعِه، وأن لاُ يُحْمَلَ على أَصْلٍ آخر [21] ، أو يقاس عليه، وقد وجدنا الرجل يبتاع الشيء ويقبضه، فيصير مِنْ ضَمانه، ثمَّ يَطْرأ عليه حَقُّ الشَّفيع، فَيُنْقِضُ عليه مِلْكَه، وقد تُنْكَحُ المرأةُ على مَهْرٍ مَعْلُومٍ، فَتَقْبِضُه وتَتَصَرَّفُ فيه بالعِتْقِ إنْ كانَ رقيقًا فَيَنْفُذُ، ثمَّ يُطَلِّقُها الزوجُ قبل الدخوُل فَيَنْتَقضُ عليها [22] المِلْكُ في النِّصْفِ من المهر، ولم يكن في شيء من هذا مُخالفةُ الأصول [23] .
وقد قال أهُل العراق: لَوْ وُهِبَ رجل [24] من رَجُل هِبةً فلم يُعَوَّضْ منها كان للواهب أنْ يَرْتَجعَها [25] ، فلم يعبؤوا لمخالفةِ ذلك [26] سائر الأصول، مع قوله صلى الله عليه وسلم: «العَائدُ في هِبتَهِ كالعَائِدِ [27] في قَيْئِهِ» [28] .
فأمَّا مَنْ وَجَدَ عيِنَ مَالِه من الوَدائع والعَوَاري واللُّقَطَاتِ ونحوها من أنواع الأموال فإنَّه لا خلاف أنَّه أَحَقُّ بها، سَوِاءٌ وَجَدَها عند مُفْلِس أو غيره، فتأويلُ الحديث عليها غيرُ مُثْمِنٍ فائدةً؛ لأنَّ [29] الإجماعَ قد أَغْنَى في ذلك عَمَّا سِواهُ [30] ، وَدَلاَلَةُ شَرطِ الإفلاس المذكور في الحديث يمنع مِنْ صَرْفه إلى الوجه الذي تَأَوَّلُوهُ [31] عليه.
[1] في (ف) و (م) : (فأخلفَ مَوضعَ حُسْن ظَنِّه) وفي (أ) : ( ... حسن الظن) .
[2] في (أ) : (من أهل العلم) .
[3] في (أ) و (م) : (منه) .
[4] في الفروع: (وإليه) .
[5] انظر: المنتقى للباجي: (5/ 81) .
[6] في (أ) و (ف) : (ومذهب) .
[7] في الفروع: (أو لم يقبض) . وانظر: الأم: (3/ 179) .
[8] في (م) : (على) .
[9] في (ط) : (كلئته) .
[10] في (م) : (فاستبد إلى) .
[11] في الفروع: (آخر) .
[12] في (ف) : (من) .
[13] في (ط) : (فتستحق) .
[14] في الفروع: (وكذلك لو) .
[15] في الفروع: (كان كما لو) .
[16] في (م) : (يرغب) .
[17] في (م) : (من) .
[18] في (ط) : (المباع) .
[19] في الفروع: (فلا ينتقض) .
[20] في الفروع: (لأن فيه) .
[21] في الفروع: (ولا يحمل على غيره) .
[22] في (ط) : (عليك) .
[23] في الفروع: (للأصول) .
[24] قوله: (رجل) زيادة من الفروع.
[25] انظر: بدائع الصنائع: (6/ 128) .
[26] في (ف) : (لمخالفته) .
[27] قوله: (هبته كالعائد في) سقط من (ط) ، وفي في (م) : (العائد في هبته كالكلب يعودُ في قيئه) .
[28] انظر: البخاري رقم (2621) ، عن ابن عباس.
[29] في الفروع: (إذ) .
[30] في الفروع: (أغنى عنه) .
[31] في الفروع: (إلى ما يتأولونه) .