فهرس الكتاب
328/ 1524 - قال أبو عبد الله_ رحمه الله _: حدَّثنا مُوسَى بْنُ إِسْماعِيلَ، قال: حدَّثنا وُهَيْب، قالٌ: حدَّثنا ابْنُ طاوُسٍ، عن أَبِيهِ:
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَقَّتَ لأَهْلِ المَدِينَةِ ذا الحُلَيْفَةِ، وَلأَهْلِ الشَّامِ الجُحْفَةَ، وَلأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ المَنازِلِ، وَلأَهْلِ اليَمَنِ يَلَمْلَمَ، هُنَّ لَهُنَّ، وَلِمَنْ أَتَىَ عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِنَّ، مِمَّنْ أَرادَ الحَجَّ والعُمْرَةَ، وَمَنْ
[1] كانَ دُونَ ذَلِكَ فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ، حَتَّىَ أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ [2] .
قلتُ: هذه المواقيت إنَّما وُقِّتَتْ لتكونَ حُدودًا لا يَتَجاوزُها مَنْ أرادَ الإحرامَ في حَجٍّ أو عُمرة، وهي لا تَمنعُ من تقديم الإحرام قبْلَ بُلُوغها، والمواقيتُ للعباداتِ على ضَرْبين: أحدُهما ما ذكرناه. والآخر كمواقيت الصَّلَوات [3] التي إنَّما ضُرِبَتْ حُدودًا؛ لئلاَّ تُقَدَّمَ الصَّلاةُ عليها.
وقوله: (هُنَّ لَهُنَّ) : يريدُ: أنَّ هذه المواقيتَ إنَّما وقِّتت [4] لَهُنَّ، أي: لهذه البلدان المُسمَّاة.
(ولمن أَتى عليهنَّ من غير أَهلِهِنَّ) : يُريد [5] : من غير أَهلِ هذه البلدان المذكورة، كاليَمانيِّ إذا جاء [6] من طريق الشام كان مِيقاتُ إحْرَامِهِ الجُحفَةَ، والنَّجْدِيِّ إذا جاء من اليمن كان ميقاتُه يَلَمْلَمَ.
وفي قوله: (مِمَّن أرادَ الحَجَّ والعُمرَةَ) بَيَانُ أنَّ الإحرامَ في هذه المواضع إنَّما يجبُ على منْ كان عنده مُروره بها قَاصِدًا حَجًّا أَوْ عُمرَةً، دُون مَنْ يرى الإحرامَ بعدَ مُجاوَزَته [7] إيَّاها، فإنَّ مَنْ حضَرَتْه نِيَّةُ الحَجِّ أو العُمرة بعدما جاوزَها كان له إنْشَاءُ ما نواهُ من الحجِّ والعُمرة مِنْ حيثُ حضَرَتْه النِّيَّةُ، ولا يلزمُه دَمٌ
ص 277
كما يلزمُ مَنْ خَرجَ من بيته يُريدُ الحجَّ أو العُمرةَ فَطوى الميقاتَ وأَحرمَ بعدَما جَاوَزَهُ.
وقوله: (فمن كان دُون ذلك فَمِنْ حيثُ أَنْشَأ) يُريدُ [8] : مَنْ كانت دارُه دُون ذلك [9] إلى ما يلي الحَرَمَ أَنْشَأ الحجَّ من دُوَيْرَةِ أَهْله، ولا يلزمُه أن يَصْعَدَ إلى الميقاتِ فَيُحرِمَ منه [10] ، حتَّى إنَّ أهلَ مَكَّةَ يخرجون [11] يُهلِّون [12] من جَوْفِ مَكَّةَ.
قلت: وهذا في الحجِّ، فأمَّا العُمرةُ: فإنَّ أهلَ مكَّةَ يَخْرُجُون لها إلى أَدْنَى الحِلِّ، فَيُهِلَّونَ [13] بها، لا يجْزئهم غيرُ ذلك، وإنَّما وَجبَ عليهم الخروجُ للعمرة من أَجلِ أنَّ الله عزَّ وجلَّ قال {وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} [آل عمران: 97] . والحِجُّ معناه القَصْدُ، فلمَّا كانت أعمالُ العمرة كُلُّها واقِعةً في الحَرمِ أَوْجَبنَا عليه الخُروجَ إلى طَرَفِ الحِلِّ للإحرام لها؛ ليَصِيرَ قَاصدًا إلى البيت، ولمَّا لم يكن للحاجِّ بُدٌّ من الخُروج إلى عَرفَة للوُقوف بها، وعِنْدَ مُنصَرفِهِ منها يَصيرُ قاصِدًا إلى البيتِ لم نُوجِبْ عليه الخُروج إلى طَرفِ الحِلِّ.
وفي الخبر دليلٌ على أنَّ الكافرَ إذا دَخلَ مَكَّةَ فأسْلَمَ بها، والغُلاَمَ إذا دَخَلها فاحْتَلَم هناك [14] ، والعَبْدَ يدْخُلُها فَيُعْتَقُ بمكَّةَ [15] ، وأرادُوا الحجَّ فأَحرَمُوا من جَوْفِ مكَّةَ أنَّه يجْزِئهم، ولا دَمَ عليهم، وهو قولُ أَصحاب الرَّأْي، وعند الشَّافعيِّ يَلْزَمُهم دَمٌ [16] ، وقد عَلَّقَ القولَ فيه.
[1] في (ط) : (وما) .
[2] (من مكة) سقط من (ط) .
[3] في (ط) : (الصلاة) .
[4] قوله: (إنما وقتت) سقط من الأصل، والمثبت من (ط) .
[5] (يريد) سقطت من (ط) .
[6] (إذا جاء) سقط من (ط) .
[7] في (ط) : (مجاوته) .
[8] في الفروع: (فيه أن) .
[9] في الفروع: (الميقات) .
[10] في الفروع: (الميقات للإحرام) .
[11] قوله: (يخرجون) زيادة من (ط) .
[12] في الفروع: (حتى المكي يهل) .
[13] في الفروع: (ليهلوا) .
[14] في (ط) : (إذا بلغ بها) .
[15] في الفروع: (بها) .
[16] انظر: الأم 2/ 111.