فهرس الكتاب

الصفحة 759 من 2203

393/ 1894 - قال أبو عبد الله: حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عن مالِكٍ، عن أَبِي الزِّنادِ، عن الأَعْرَجِ:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ: «الصِّيامُ جُنَّةٌ، فإذا كان يوم صوم أحدكم

[1] فَلا يَرْفُثْ وَلا يَجْهَلْ، فَإِنِ امْرُؤٌ قاتَلَهُ أَوْ شاتَمَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صائمٌ. والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَخُلُوْفُ فَمِ الصَّائِمِ [2] أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ؛ يَتْرُكُ طَعامَهُ وَشَرابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي. الصَّومُ لِي وَأَنا أَجْزِي بِهِ، والْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثالِها».

قوله: (الصيامُ جُنَّةٌ) يَحتملُ أن يكون أراد به [3] جُنَّة من النَّار، وَوِقايةً للصائمُ دونها.

ويَحتمِلُ أن يكون أرادَ أنَّه [4] جُنَّةٌ من المَعَاصي، لأنَّه [5] يَكْسِرُ الشَّهوَةَ ويُضْعِفُ القُوَّةَ، فيمتنعُ به الصائم عن مُواقَعةِ المعاصي، فصار كأنَّه جُنَّةٌ وسِتْرٌ دُونها.

وقوله: (فلا يَرفُثْ) الرَّفَثُ: الخَنَا والفُحشُ، نهاه عن قولِ الرَّفث والفُحشِ؛ لئلاَّ يَفسدَ صَومُه فَيُحرَمَ أَجرَهُ.

ويقال [6] : إنَّ الرَّفَثَ: اسمٌ لِكلِّ مَا يُريدُ الرجلُ مِنَ النِّساءِ [7] .

وقوله: (فَليقْل إنِّي صائم) يَحتملُ وجهين:

أحدُهما: أن يقولَ ذلك فيما بينه وبين نفسه؛ لئلاَّ تَحْمِلَهُ النَّفسُ على [8] مُجازاةِ الشَّاتمِ [9] ، فَيَفْسُدَ بذلك [10] صَوْمُه.

والآخرُ [11] : أن يقولَ ذلك بلسانه؛ ليَمتنِعَ الشَّاتِمُ مِنْ شَتْمِهِ إذا عَلِمَ أنَّهُ مُعتصمٌ بالصَّومِ [12] ، فلا يُؤذِيه، ولا يَجْهَل عليه.

و (الخَلُوفُ) : تَغَيُّر ريح الفم، يُقالُ: خَلَفَ فَمَهُ [13] خُلُوفًا.

ومثله [14] : خَلَفَ اللَّحمُ إذا أرْوَحَ

ص 309

وتَغَيَّرَ.

والمعنى في كونه عند اللهِ أطيبُ من ريح المِسكِ: الثَّنَاءُ على الصائم والرِّضَا بفعله؛ لئلاَّ يَمنَعَه ذلك من المُواظبة على الصَّومِ الجَالبِ لِخُلُوفِ فَمِه، ولأجل ذلك كَرِهَ مَن كَرِه السِّواك للصائم آخر نهاره، وبيانُ المعنى كأنَّه قال: إنَّ خُلُوف فم الصائم أبلغُ في القَبول عند الله من ريح المِسْكِ عندكم.

وقوله: (الصَّومُ لي وأنَا أجزِي به) فيه تَفضيلُ الصَّومِ [15] ؛ لِما فيه الإخلاص، وقد علِمنا أنَّ الطَّاعاتِ كُلَّها لله، وإنمَّا المعنى أنَّ الصَّومَ عِبَادةٌ خَالصَةٌ لا يَستولي عليه الرِّياءُ والسُّمْعَةُ؛ لأنَّه عملُ سِرٍّ ليس كَسَائرِ الأعمالِ التي يَطَّلِعُ عليها الخَلقُ، فلا يُؤمَنُ معه الشِّركُ، وهذا كما رُوي أنَّه قال [16] : «نِيَّةُ المؤمن خيرٌ [17] من عمله [18] » ؛ وذلك لأنَّ النَّية مَحَلُّها القَلْبُ [19] ، فلا يَطَّلِعُ عليها غيرُ الله عزَّ وجلَّ، وتقديرُ هذا الكلامِ أنَّ نِيَّةَ المؤمن مُنْفَرِدة عن العمل خيرٌ من عَمَلٍ خَالٍ من النِّية [20] ، كما قال عزَّ وجلَّ: {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ} [القدر: 3] .

أي: من أَلِف شَهرٍ ليس فيها ليلةُ القَدرِ؛ لأنَّ الشَّيءَ لا يكونُ خيرًا من نفسه، ومن عِدَّةِ أمثاله معه.

وقوله: (وأَنَا أَجزِي به) ومعلومٌ أنَّ اللهَ تعالى هو الذي يَجزِي بالأعمالِ الصَّالحة دُون غَيرِهِ، والمعنى [21] : مُضَاعَفَةُ الجَزَاءِ من غير عَدَدٍ، ولا حِسَابٍ، كقوله عزَّ وجلَّ: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر: 10] .

وقد سَمَّى رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الصَّومَ صَبرًا [22] ، وسمَّى رَمَضَانَ شَهْرَ الصَّبْرِ [23] .

وقوله على أَثَرِه: (والحسَنةُ بعشرِ أمثَالها) إنَّما عَقَّبَة به إعلامًا أنَّ الصَّومَ مَستثنى من هذا الحُكمِ، وإنَّما هو في سائر الطَّاعات عمومًا، دُون الصَّوم المخصُوصِ بهذا الحكم.

[1] (فإذا كان يوم صوم أحدكم) سقط منأ (ط) والفروع.

[2] في (ط) : (الصام) .

[3] (به) سقط من (ط) وفي الفروع: (قيل) .

[4] في الفروع: (وقيل) .

[5] في الفروع: (وذلك أنه) .

[6] في الفروع: (وقيل) .

[7] انظر: اللسان، والتاج (رفث) .

[8] في (أ) : (فليكفها عن) وفي (ف) : (ليكفها) وفي (م) : (فيكفها) .

[9] في (م) : (الصائم) .

[10] في الفروع: (بما يفسد) .

[11] في الفروع: (ويحتمل) .

[12] في الفروع: (ليعلم الشاتم أنه صائم معتصم) .

[13] في الفروع: (فوه) بالواو.

[14] في (أ) و (ف) : (ومنه) .

[15] في الفروع: (والصوم لي: خصوصية .. ) .

[16] في الفروع: (كما قيل) .

[17] في (أ) : (أبلغ) .

[18] انظر: المعجم الكبير للطبراني رقم (5942) ، عن سهل بن سعد السَّاعدي.

[19] في الفروع: (لأنه من عمل القلب) .

[20] في الفروع: (فنية بلا عمل خير من عمل بلا نية) .

[21] في (أ) : (يريد) وفي (ف) : (يعني) .

[22] في الفروع: (لأن الصوم سماه الصبر) .

[23] انظر: سنن أبي داود رقم (2428) ، عن مُجْيبة الباهلية، عن أبيها أو عمها حديثًا فيه: (صُمْ شَهرَ الصَّبرِ ويومًا من كُلِّ شهرٍ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت