فهرس الكتاب

الصفحة 1092 من 2203

564/ 2569 - قال أبو عبد الله: حدَّثنا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، قال: حدَّثنا أَبُو غَسَّانَ، قَالَ: حدَّثني أَبُو حَازِمٍ:

عَنْ سَهْلٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَرْسَلَ إلى امْرَأَةٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ

[1] ، وَكَانَ لها غُلَامٌ نَجَّارٌ [2] ، فقَالَ [3] : «مُرِي عَبْدَكِ فَلْيَفْعَلْ لَنَا أَعْوَادَ الْمِنْبَرِ» . فَأَمَرَتْ عَبْدَهَا، فَذَهَبَ فَقَطَعَ مِنَ الطَّرْفَاءِ، فَصَنَعَ لَهُ مِنْبَرًا، فَلَمَّا قَضَاهُ، أَرْسَلَتْ إلى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّهُ قَدْ قَضَاهُ، فقالَ: «أَرْسِلِي بِهِ [4] إِلَيَّ» . فَجَاؤُوا بِهِ، فَاحْتَمَلَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَوَضَعَهُ حَيْثُ تَرَوْنَ.

قوله: (قَضَاهُ) يُريدُ [5] : صَنَعه وأحكمه، وكُلُّ صُنْع في تَمامٍ وإحْكامٍ فهو قَضَاءٌ، ومنه قوله تعالى: {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ} [فصلت:] ،

وقوله: (فَلْيَفْعَلْ لنا أعوادًا) يُريدُ: فَلْيَفْعَلْ لنا فِعْلًا في أعْوَادٍ، أي: مِنْ نَجْرٍ وتَسْويةٍ وخَرْطٍ يكون [6] منها مِنْبَرٌ [7] .

والظاهر من حَقِّ الكلامِ والمُسْتَعْمَلِ [8] في مِثْلهِ أن يُقالَ: فَلْيَصْنَعْ لنا، أو فَلْيَجْعَلْ لنا؛ وذلك أنَّ لَفْظَ الفِعْلِ جُملةٌ تحتها أقسامٌ، وجِنْسٌ تَتَفَرَّعُ منه أنواعٌ، وتمامُ البَيانِ إنَّما يقع بتنزيل الكلام منازِلَه [9] ، وتَسْمِيَة كُلِّ شيءٍ بخَاصِّ اسْمِه، والَّلازم [10] له من لَقَبه، وإذا عُدِلَ بالكلام عن سُنَنِه لم يَسْتَقِلَّ بإفادةِ المُرادِ

ص 421

حتَّى يُعانَ بغَيْرهِ، من نَحْو إضْمَارٍ فيه، أو حَذْفٍ منه، أو تقديم أو تأخيرٍ.

والعِبَارَةُ عَمَّا يُعالَجُ من الأشياء ويُعْتَملُ تَقَعُ بثلاثَةِ أَلْفَاظِ: هي الفِعْلُ، والصُّنْعُ. والجَعْلُ، فَأَجْمَعُها في المعنى [11] الفِعْلُ، وأَوْسَعُها في الاستعمال الجَعْلُ، وأَخَصُّها في التَّرْتيب الصُّنْعُ.

فنقول [12] : فَعَلَ فُلانٌ خيرًا، وفَعَلَ شَرًا، وفَعَلَ حَسَنًا، وفَعَلَ قَبيحًا؛ وهذا على الإبْهامِ والإجمالِ، وغَالِبُ المعنى فيه يَرجِعُ إلى الصِّفاتِ التي تقع تحت الأفعالِ من اسْتِحْسَانٍ لصُوَرِها [13] ، أو اسْتِقْبَاحٍ لها.

ولَفْظُ الجَعْلِ يَسْتَرْسِلُ على الأعْيَانِ والصِّفاتِ معًا، فيقال: جَعَلَ فُلانٌ لنفسه دارًا، وجَعَلَ لِداَرِهِ بَابًا. كما يقولُ: جَعَلَ لنفسِه جَاهًا في النَّاسِ، وقَدْرًا ومَنْزِلةً عندهم. قال الله تعالى: {وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ} [الأنعام:?] ، بمعنى خَلَقَ أَعْيَانَها. وقال: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} [الأنبياء:] كما قال: {وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ الْبَنَاتِ} [النحل: 57] ، بمعنى الصِّفَة، تعالى اللهُ عن ذلك عُلُوًَّا كبيرًا.

ولَفْظُ الصُّنْعِ يُسْتَعْمَلُ غالبًا فيما يَدخلُه التَّدْبيرُ، ويَجري الأمْرُ فيه على نوعٍ من التسوية والتقدير، ولذلك اخْتِيرَ من جُملةِ هذه الألفاظ في صِفَةِ [14] الله سبحانه، وتَسْميته إذا اشْتُقَّ له الاسمُ من أفعالِهِ الصَّانع [15] على الإطلاق، ولم يقولُوا الفاعلَ، ولا الجَاعِلَ، ومن أَجْلِ ذلك قِيلَ لمن يعملُ الأعمالَ الصِّناعية [16] التي يدخلُها الفِكْرُ والتَّدبْيرُ الصَّنَّاعُ، وهذا شَرْحُ الجُملَة، ويحتاجُ في تفْصِيل أَقْسَامِه إلى بَسْطٍ يخرجُ به الكتابُ عن قَصْدِ مَا أُنْشِئَ له.

[1] في (أ) : (من الأنصار) .

[2] (نجار) سقطت من (أ) و (م) .

[3] (فقال) سقطت من (ط) .

[4] في (أ) : (بها) .

[5] في (ط) : (يعني) .

[6] في (ف) : (ليكون) .

[7] في (ط) : (يكون منها يكون) .

[8] في (م) : (يعمل) .

[9] في (م) : (منازل) .

[10] في (ط) : (خاصة اسمه اللازم) .

[11] قوله: (المعنى) زيادة من (ط) .

[12] في (ف) : (فيقال) .

[13] في (ط) : (تصورها) .

[14] في (أ) و (م) : (صفات) .

[15] (الصَّانع) : سقط من (م) .

[16] في (ط) : (الصناعة) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت