483/ 2240 - قال أبو عبد الله: حدَّثني صَدَقَةُ، قال: حدَّثنا ابْنُ عُيَيْنَةَ، قال: أخبرنا ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ، عن عَبْدِ اللهِ بْنِ كَثِيرٍ، عن أَبِي المِنْهالِ:
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم المَدِينَةَ وَهُمْ يُسْلِفُونَ في التَّمْرِ
[1] السَّنَتَيْنِ والثَّلَاثَ، فَقالَ: «مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَلْيُسْلِفْ فِي [2] كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إلىَ أَجَلٍ مَعْلُومٍ [3] » .
فيه بيان أنَّ السَّلم لا يجوز حتَّى يكون ما يسلف فيه معلومًا، ومقدار ما يسلف فيه معلومًا كيلًا أو وزنًا، وأن تكون المكاييل والأوزان معلومة، والأجل والذي يسلف إليه [4] معلومًا، مُسَانَهَةً [5] أو مشاهرة، مقدَّرًا بالأوقات المعلومة، دون الآجال المجهولة، كالحَصَاد والدِّياس [6] ، وقدوم الحاجِّ، ونحو ذلك؛ لأنَّها تتقدَّم وتتأخَّر.
وفيه دليل على جواز السلف في الشيء وإن لم يكن في وقت العقد موجودًا إذا كان يتقدَّر وجوده في [7] العادة عند محلِّ
ص 364
الأجل.
وقوله: (فَلْيُسلف في كيلٍ معلومٍ) لا يمنعُ من جوازه لو أسلف وزنًا في الشيء الذي أصله الكيلُ، تمرًا كان ذلك أوبُرًّا أو نحوهما؛ لأنَّ القَصْدَ إنَّما وقَعَ بقوله: (في كَيلٍ معلومٍ، أو وزنٍ معلومٍ) إلى أن يكونَ الشيء المُسلف فيه مَحصورًا غيرَ مجهولٍ، والوصف يُسترسلُ عليه إذا وَقَعَ حَصْرُهُ بما يمكن أن يُحصر به مثلُ ذلك الشيءِ.
وقد يَستدلُّ به مَن لا يرى السَّلَمَ الحَالَّ [8] جائزًا، وكذلك من لا يُجيزُ السَّلَمَ في الحيوان، والاستدلال به لا يصحُّ في ذلك؛ لأنَّه ليس في الخَبَرِ مَنعٌ من السَّلف إذا لم يكن مُؤجَّلًا، إنَّما فيه إيجاب أن يكونَ الأجلُ معلومًا إذا اشتُرِطَ الأجلُ فيه، فلا يكونُ مجهولًا [9] .
وليس فيه أيضًا مَنْعُ السَّلَفِ في غير المَكيل والموْزُون، إنَّما فيه إيجابُ أن يكون المكيلُ والموزونُ مَعْلُومَي المقادير كيلًا أو وَزْنًا فقط، ألا تَرَى أنَّ السَّلَمَ في الثياب جَائزٌ ذَرْعًا [10] ، وإن لم يكن مكيلًا ولا مَوْزونًا، وليس لِلذرع في الخبر ذِكْرٌ [11] ، إنَّما قَصَدَ الخبر ومَعْنَاهُ إخْرَاجَ السَّلَفِ عن حدِّ الجَهالةِ إلى أن يكون معلومًا في نَوْع ما يُسلَفُ فيه.
وكان الشافعيُّ [12] رحمه الله يحتجُّ [13] لإجَازَةِ السَّلَمِ في الحيوان بخبر أبي رافع أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم استسْلَفَ مِنْ رَجُلٍ بَكْرًا، فلمَّا قَدمَتْ إبلُ الصَّدَقَة أَمَرَني أنْ أقْضيَهُ إيَّاهُ [14] .
واحْتَجُّوا في ذلك أيضًا بأنَّ الدِّيَةَ أَسْنَانٌ معلومةٌ مُؤجَّلةٌ في سِنينَ معلومةٍ.
واحْتجَّ الشافعيُّ أيضًا على أهل العراق بأنَّهم [15] أجَازُوا أن يُكاتِب الرجلُ عبدَهُ على أُرُوش [16] من الرَّقيقِ مَوصُوفةٍ، وبما [17] أَجَازُوهُ من الرقيق والإبل في الصَّداق [18] .
وفي الخبر دليل على أنَّ عَقْدَ السَّلَفِ جائزٌ، وإنْ لم يُشْتَرَطْ فيه مَحَلُّ القَبْضِ للشيء المُسلَمِ فيه، ومَنْ ذَهبَ إلى هذا جعلَ مَوْضِع القَبْضِ في ذلك حيث نَقْدُ الثَّمن، ولو كان لا يَصحُّ السَّلمُ إلَّا أن يَذْكُرَهُ [19] لَذُكِرَ، كما ذُكِرَ الكيلُ والوزنُ والأجَلُ.
[1] في (ف) و (م) : (بالتمر) .
[2] في (ط) : (فأسلف إلى) .
[3] (إلى أجل معلوم) سقطت من (م) .
[4] في (ط) : (فيه) .
[5] أي: لسنة. انظر: (غريب الحديث) للخطابي (2/ 242) .
[6] الدائس، الذي يدوس الطعام ويدقه ليخرج الحبَّ منه وإنما يكون ذلك بعد الحصاد، ومن تدل ابن عباس: «لا تبايعوا إلى الحصاد والديَّاس» .
[7] قوله: (وقت العقد ... وجوده في) سقط من (ط) .
[8] في الفروع: (السلف حالًا) .
[9] اختلفت العبارة في الفروع والمعنى واحد.
[10] في (أ) و (ف) : (جائز بالذرع) وفي (م) : (جائزة بالذرع) .
[11] في الفروع: (وإن لم يكن في الخبر) .
[12] انظر: المغني لابن قدامة: (4/ 209)
[13] في الفروع: (وقد استدل الشافعي) .
[14] انظر: صحيح مسلم رقم (1600) ، عن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
[15] في (ط) : (أنهم) .
[16] في (م) : (رؤوس) .
[17] في (م) : (ومما) .
[18] في الفروع زيادة: (وذلك موصوف بالذمة) .
[19] في الفروع: (ولو كان ذلك شرطًا) .