512/ 2359 - 2360 - قال أبو عبد الله: حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، قال: حدَّثنا اللَّيْثُ، قالَ: أخبرني ابْنُ شِهابٍ، عن عُرْوَةَ:
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ حَدَّثَهُ: أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصارِ
[1] ، خاصَمَ الزُّبَيْرَ [2] عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم [3] فِي شِرَاجِ الحَرَّةِ، الَّتِي يَسْقُونَ بها النَّخْلَ، فقالَ الأَنْصارِيُّ: سَرِّحِ الماءَ يَمُرُّ. فَأَبَىَ ذلك، فاخْتَصَما عِنْدَ النَّبِيِّ [4] صلى الله عليه وسلم، فَقالَ رَسُولُ اللهِ [5] صلى الله عليه وسلم لِلزُّبَيْرِ: «اسْقِ يا زُبَيْرُ، ثُمَّ أَرْسِلِ الماءَ إلىَ جارِكَ» . فَغَضِبَ الأَنْصارِيُّ، فَقالَ: آنْ كانَ ابْنَ عَمَّتِكَ؟! فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ قالَ: «يا زُبَيْرُ اّْسْقِ [6] ، ثُمَّ احْبِسِ الماءَ حَتَّىَ يَرْجِعَ إلى الجَدْرِ» . فقالَ الزُّبَيْرُ: واللهِ إِنِّي لأَحْسِبُ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} الآية [النساء: 65] ».
(شِراجُ الحَرَّةِ) : مَجَاري الماء الذي يسيلُ منها، واحدها شرْجٌ.
وفيه من العلم: أنَّ أصلَ مياه الأودية والسُّيولِ التي لا تُمْلَكُ مَنَابِعُها، ولم تُسْتَنْبَطْ بِعَملٍ فيها وحَفْرٍ الإباحَةُ [7] ، وأَنَّ مَنْ سَبَقَ إلى شيءٍ [8] منها [9] وأَحْرَزَهُ كانَ أَحَقَّ به.
وفيه دليلٌ على أنَّ أَهْلَ الشِّرْبِ الأعْلىَ مُقَدَّمُون [10] على مَنْ هُو أَسْفَلَ منهم؛ لإحْرَازِهمُ السَّبْقَ، وأنَّه [11] ليس للأعلى أن يَحْبِسَه عن [12] الأسْفَلِ إذا كان قد أَخَذَ حاجَتَه منه.
وقد ذَهَبَ بعضهم في معنى ما كان مِنْ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ قوله الآخر بعد الأوَّلِ إلى أنَّه نَسَخَ الحُكْم [13] الأوَّل بحُكْمِه الآخِرِ، وقد كان له في الأَصْلِ الحُكْمُ بأيَّهِمَا شَاءَ، إلَّا أنَّه قَدَّمَ الأخَفَّ والأسْهَلَ أَخْذًا بالمُسَامَحَةِ [14] ، وإيثارًا لِحُسْنِ [15] الجِوارِ، فلمَّا رأى الأنصاريَّ يَجْهَلُ مَوْضِعَ حَقِّهِ نَسَخَ الأوَّلَ بالآخِرِ حين رآهُ أَصْلَحَ، وفي الزَّجْرِ له أبْلَغَ.
وقال بعضُهم [16] : إنَّما كان القولُ الأوَّل من رسول الله صلى الله عليه وسلم على وَجْهِ المَشُورَةِ للزُّبير، وعلى سبيل السَّمَاحَة لجارهِ ببَعْض حَقِّهِ، دُونَ أن يكونَ ذلك حُكمًا [17] منه عليه، فلمَّا خالفَه الأنصاريُّ اسْتَقْصَى للزُّبير حَقَّه، وأَمَرهُ باسْتيفائه منه
ص 381
وإلى نحو من هذا أَشَارَ أبو عبيد [18] .
وفيه دليلٌ على أنَّ للإمام أنْ يَعْفُوَ عن التَّعْزِير [19] ، كما له أن يُقيمَه على مَنْ وَجَبَ عليه.
وقد قيل: إنَّ عقوبته قد وَقَعَتْ في ماله، وكانت العُقُوبَاتُ قد تَقَعُ بعضها إذ ذاكَ في الأموالِ، كقوله صلى الله عليه وسلم في مَانِعِ الصَّدَقَّةِ: «إنَّا آخِذُوهَا وشَّطْرَ مَالهِ، عَزْمَةً مِنْ عَزَمَاتِ رَبِّنَا» . [20] وكما أَمَرَ [21] بِشَقِّ الزِّقَاقِ، وكَسْرِ الجِرِارِ عند تحريم الخمر؛ تَغْلِيظًا فيها، وتأكيدًا لمعنى التحريم [22] لها [23] .
[1] (من الأنصار) سقطت من (ط) .
[2] في (أ) و (م) : (خاصمه) .
[3] (عند النبي) سقطت من الفروع.
[4] في (أ) : (إلى رسول الله) .
[5] في (م) : (النبي) .
[6] في الفروع: (اسق يا زبير) .
[7] في الفروع: (من الحفر ونحوه مباح) .
[8] في الفروع: (إليه) .
[9] قوله: (منها) زيادة من (ط) .
[10] في الفروع: (يقدم) .
[11] في الفروع: (وفيه أنه) .
[12] في (ط) : (على) .
[13] في الفروع: (حكمه) .
[14] في الفروع: (والأسهل مسامحة) .
[15] في الفروع: (لحكم حسن) .
[16] في (أ) و (م) : (وقيل) .
[17] في الفروع: (لا على وجه الحكم) .
[18] انظر: غريب الحديث لأبي عبيد القاسم بن سلام (4/ 3) .
[19] في (م) : (تعزير) .
[20] انظر: سنن النسائي رقم (2451) ، عن معاوية بن حيدة.
[21] في (أ) : (كأمره) .
[22] في الفروع: (تغليظًا للتحريم وتأكيدًا) وسقطت: (وتأكيدًا) من (م) .
[23] انظر: البخاري رقم (7253) ، عن أنس بن مالك.