فهرس الكتاب
611/ 2826 - قال أبو عبد الله: حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، قال: أخبرنا مَالِكٌ، عن أَبِي الزِّنَادِ
[1] ، عن الأَعْرَجِ:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «يَضْحَكُ اللهُ إلىَ [2] رَجُلَيْنِ، يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ، يَدْخُلَانِ الجَنَّةَ، يُقَاتِلُ هَذَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَيُقْتَلُ، ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ على القَاتِلِ، فَيُسْتَشْهَدُ [3] » .
قوله: (يضحكٌ اللهُ سبحانه) [4] الضَّحِكُ الذي يعتري البَشَرَ عندما يَسْتَخِفُّهُمُ الفَرَحُ [5] ، أو يَستَفزُّهم الطَّرب [6] ، غير جَائزٍ على الله سبحانه، و هو مَنفيٌّ [7] عن صِفاته، وإنَّما هو مَثَلٌ ضَرَبه لهذا الصَّنيع الذي يَحلُّ مَحَلَّ العَجَبِ
ص 453
عند البشر، فإذا رَأوه أضحكهم، و معناه في صفةِ اللهِ سبحانه الإخبارُ عن الرِّضا بفعلِ [8] أحدهما، والقبولِ للآخر، ومُجازَاتهِما على صنيعهما [9] الجَنَّة، مع اختلاف أحوالهما، وتباين [10] مَقَاصِدِهِما، ونظير هذا ما رواه أبو عبد الله في مَوضعِ آخر [11] من هذا الكتاب:
4889 - قال: حدَّثنا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ كَثِيرٍ، قال: حدَّثنا أَبُو أُسَامَةَ، قال: حدَّثنا فُضَيْلُ بْنُ غَزْوَانَ [12] ، قال: حدَّثنا أَبُو حَازِمٍ الأَشْجَعِيُّ:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قالَ: أَتَىَ رَجُلٌ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فقالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَصَابَنِي الْجَهْد، فَأَرْسَلَ إلىَ نِسَائِهِ فَلَمْ يَجِدْ عِنْدَهُنَّ شَيْئًا، فقالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «أَلَا رَجُلٌ يُضِيْفُ هَذَا اللَّيْلَةَ، رحمه الله» . فَقَامَ [13] رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ فقالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ. فَذَهَبَ إلىَ أَهْلِهِ، فقالَ لاِمْرَأَتِهِ: ضَيْفُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، لَا تَدَّخِرِي شَيْئًا. قَالَتْ: وَاللهِ ما عِنْدِي إلَّا قُوتُ الصِّبْيَةِ. قالَ: فَإِذَا [14] أَرَادَتْ الصِّبْيَةُ الْعَشَاءَ فَنَوِّمِيهِمْ وَتَعَالَيْ، فَأَطْفِئِي السِّرَاجَ، وَنَطْوِي بُطُونَنَا اللَّيْلَةَ. فَفَعَلَتْ، ثُمَّ غَدَا الرَّجُلُ علىَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فقالَ: «لَقَدْ عَجِبَ اللهُ، أَوْ: ضَحِكَ مِنْ فُلَانٍ وَفُلَانَةَ» . فَأَنْزَلَ اللهُ تعالى: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر: 9] .
قال أبو عبد الله [15] : معنى الضحك الرحمة.
وهذا من رواية الفربريِّ ليس عن ابن معقل.
قلتُ: قول أبي [16] عبد الله قريبٌ، وتأويله على معنى الرضا لفعلهما أقرب وأشبه، ومعلوم أنَّ الضحك من ذوي التمييز يدلُّ على الرضا والبِشرُ والاستِهلالُ [17] منهم، دَليلٌ على قبول الوسيلة، ومُقدِّمَةِ إنجاحِ [18] الطَّلْبَة، والكرامُ يُوصَفونَ عند المسألةِ بالبِشْر، وحُسنِ اللِّقاءِ، فيكونُ المعنى في قوله: (يَضحَكُ اللهُ إلى رجلين) ؛ أي: يُجزِلُ العَطَاءَ لهما؛ لأنَّه مُوجِبُ الضَّحِك ومُقتضاهُ، قال زهير:
~تَرَاه إذا مَا جِئتَهُ مُتَهلِّلًا كأنَّكَ تُعطِيه الذي أنتَ سَائلُه [19]
وإذا ضَحِكُوا وَهَبوا وأجزَلُوا. قال كُثَيَّر [20] :
~ (غَمْرُ الرِّداءِ إذا تَبَسَّمَ ضَاحكًا غَلِقتْ لِضِحكتِهِ رِقابُ المَالِ) [21]
وقال الكُمَيْت أو غيره [22] :
ص 454
~فَأعطى ثمَّ أعطَى ثُمَّ عُدْنَا فأعطَى ثُمَّ عُدتُ له فَعَادَا
~مِرارًا ما [23] أعودُ إليه إلَّا تَبَسَّمَ ضَاحكًا وثَنَى الوِسَادَا [24]
وقد يكون معنى ذلك أيضًا: أن يُعَجِّبَ اللهُ مَلاَئكته ويُضحِكَهُم من صَنيعِهِمَا، وذلك أنَّ الإيثار على النفسِ أمرٌ نَادِرٌ في العادات، مُستغرَبٌ في الطِّباعِ، وهذا يَخرجُ على سَعَةِ المجاز، ولا يَمتَنِعُ على مذهب الاستعارة في الكلامِ، ونظائرهُ في كلامهم كثيرة [25] .
[1] في (ف) : (ابن الزناد) .
[2] (إلى) سقطت من (م) .
[3] (فيستشهد) سقطت من (أ) .
[4] (سبحانه) : لم تذكر في الفروع.
[5] في (أ) : (من الفرح) .
[6] في (أ) : (من الطرب) .
[7] في (ف) : (وهو منو حي) .
[8] في (م) : (بعمل) .
[9] في (أ) : (صنعهما) .
[10] في (م) : (وبيان) .
[11] (آخر) سقطت من (م) .
[12] في (م) : (بن عمرو) .
[13] في الأصل: (فقال) وجاء في الهامش: (صوابه قام)
[14] في (ف) و (م) : (فإن) .
[15] في (ر) و (ف) و (م) : (البخاري) .
[16] في الأصل: (أبو) وجاء في الهامش: (صوابه أبي)
[17] زاد في (ف) : (على معنى الاستهلال) .
[18] في (م) : (لنجاح) .
[19] البيت لزهير في ديوانه 298
وله في شواهد الكشاف 4/ 482، والبحر المحيط 2/ 5 والدر المصون 2/ 248
ونسبه في خزانة الأدب (2/ 265) إلى عبد الله بن الزبير.
[20] زاد في (م) : (أو غيره) .
[21] قوله: (غمر الرداء ... المال) سقط من (م) والبيت لكثير عَزَّة في ديوانه 288 وله في الخصائص 2/ 445، والمقاييس 4/ 394 والدر المصون 7/ 294 والصحاح والعباب واللسان، والتاج (عمر) . وبلا نسبة في المخصص 16/ 32.
[22] (أو غيره) سقطت من (ر) و (ف) .
[23] في (أ) : (لا) .
[24] لم أعثر عليهما
[25] في (أ) و (م) : (كثير) بإسقاط المربوطة. وفي (ر) : (كثيرة في كلامهم) .