62/ 233 - قال أبو عبد الله: حدَّثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ، قالَ: حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ، عن أَيُّوبَ، عن أَبِي قِلَابَةَ:
عن أَنَسٍ، قالَ: قَدِمَ ناسٌ مِنْ عُكْلٍ
[1] وعُرَيْنَةَ، فاجْتَوَوُا المَدِينَةَ، فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ [2] صلى الله عليه وسلم بِلِقاحٍ، وَأَنْ يَشْرَبُوا مِنْ [3] أَلْبانِها وأَبْوالِها، فانْطَلَقُوا، فَلَمَّا صَحُّوا، قَتَلُوا راعِيَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فاسْتاقُوا النعم، فَجاءَ الخَبَرُ في أَوَّلِ النَّهارِ، فَبَعَثَ في آثارِهِمْ، فَلَمَّا ارْتَفَعَ النَّهارُ جِيءَ بِهِمْ، فَأَمَرَ فَقَطَعَ [4] أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ، وَسُمِرَتْ أَعْيُنُهُمْ، فَأُلْقُوا في الحَرَّةِ، يَسْتَسْقُونَ فَلَا يُسْقَوْنَ [5] . قالَ أبو قِلَابَةَ: فَهَؤُلَاءِ سَرَقُوا وَقَتَلُوا، وَكَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ، وَحارَبُوا اللهَ وَرَسُولَهُ.
قوله: (اجتَوَوا [6] المدينةَ) يريد: أنَّهم لم يَسْتَوْفقوا [7] المُقام بها؛ لمرضٍ [8] أصابهم، أو عارضٍ من سُقْمٍ.
و (اللِّقاح) : الإبلُ ذوات الدَّرِّ [9] ، واحدتها لِقْحَة.
وفي قوله: (أمرهم أن يشربوا من [10] ألبانها وأبوالها) مُستدلٌّ لمن [11] رأى أنَّ أبوالَ ما يؤكل لحومها [12] طاهرةٌ، قالوا: ولو كانت محرَّمةً لم يُبح لهم أن يستشفوا بها؛ لقوله عليه السلام: «إنَّ اللهَ لم يَجعلْ شِفاءكم فيما حُرِّم عليكم» [13] .
وقوله: (سُمِّرت أعينُهم) السَّمر: لغة في السَّمْل، الرَّاء واللام تتقارب مخارجُهما [14] ، وقد يكون السَّمْر من المِسمار، يريد أنَّهم كُحِّلوا بأميالٍ قد أحميت بالنَّار، والسَّمل: فقء العين، كقول [15] أبي ذؤيب:
~سُمِلَتْ [16] بشَوْكٍ فَهْيَ عُورٌ تَدْمعُ [17]
ص 75
وقد اختلف الناس في معنى هذا الصنيع، وتأويل ما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمرهم، فروي عن ابن سيرين [18] أنَّه قال: كان ذلك [19] قبل تحريم المُثْلَة [20] .
وروي في بعض الأخبار أنَّهم كانوا قد سَمَلُوا [21] أعينَ الرُّعاة [22] وقطعوا أيديهم وأرجلهم [23] ، فكان ما فُعل بهم مجازاةً على مُحاذاة أفعالهم، فيكون فيه على هذا الوجه دلالةٌ على جواز امتثال القِصاص على حَسَب الجناية.
وفي قوله: (يَسْتَسْقُون فلا يُسقون) دليلٌ على أنَّ هذا الفعل إنَّما فُعِلَ بهم للقَتل؛ ولأجل ذلك لم يُستَبقَوا، فلا يجوز لوليِّ الدَّم على هذا أن يَصْنَعَ [24] بالقاتل مثل هذا الصَّنيع، ثم يَستبقيه فلا يقتله.
[1] في (ر) : (محل) محرفًا.
[2] في (ط) و (أ) : (رسول الله) .
[3] (من) سقطت من (ط)
[4] في النسخ الفروع: (الرجا) .
[5] (فلا يسقون) سقطت من (ط)
[6] في (م) : (اجتروا) محرفًا.
[7] في (ر) : (لم يستوفوا) .
[8] في النسخ الفروع: (من مرض) .
[9] في (ر) : (الذرة) وفي (م) : (الذر) .
[10] (من) سقطت من (ط)
[11] في الأصل (لمَّا) والمثبت من (ط)
[12] في النسخ الفروع: (بول ما يؤكل لحمه) .
[13] رواه الطبراني عن أم سلمة في المعجم الكبير رقم (749)
[14] في النسخ الفروع: (مخرجهما متقارب) .
[15] في (م) : (لقول) .
[16] في (ط) : (سمرت) بالراء.
[17] عجزت بيت لأبي ذؤيب الهذلي في ديوان الهذليين 1/ 3 وصدره:
~فالعين بعدهم كأنَّ حِدَاقَها ... .... ... ... ...
والبيت في المفضليات 422، والمخصص 13/ 235، وعمدة الحفاظ 1/ 621، والدر المصون 7/ 488، وتحفة الأحوذي 1/ 181، والعين (3/ 41 حدق) و (7/ 267 سمل) .
[18] (عن ابن سيرين) سقط من (ط)
[19] في النسخ الفروع: (هذا كان) .
[20] انظر: البخاري رقم (5686) .
[21] في (ط) : (سملوا) ثم أصلحت وفي الهامش: (سمروا) .
[22] في (ر) : (كانوا يفعلوا ذلك بالرعاة) وفي غيرها ن الفروع: (إنهم فعلوا ذلك بالرعاة) .
[23] انظر: مسلم 3/ 1289 رقم (14) .
[24] في (ط) : (أن يضيع) مصحفًا.