فهرس الكتاب
784/ 3887 - قال أبو عبد الله: حدَّثني هُدْبَةُ بْنُ خالِدٍ، قال: حدَّثنا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَىَ: عن قَتادَة، عن أَنَسِ بْنِ مالِكٍ:
عَنْ مالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ: أَنَّ نَبِيَّ اللهِ صلى الله عليه وسلم حَدَّثَهُ عن لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ
[1] قال: «بَيْنَما أَنا فِي الْحَطِيمِ _وَرُبَّما قالَ: فِي الْحِجْرِ_ إِذْ أَتانِي آتٍ فَقَدَّ _قالَ: وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: فَشَقَّ_
ص 554
ما بَيْنَ هَذِهِ إلىَ هَذِهِ؛ أي [2] : مِنْ قَصِّهِ إلىَ شِعْرَتِهِ.» وذكر حديث المعراج إلى أن قال: «ثُمَّ صَعِدَ بِي حَتَّىَ أَتَى السَّماءَ السَّادِسَةَ، فاسْتَفْتَحَ، فقِيلَ: مَنْ هَذا [3] ؟ قالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ [4] : مَنْ مَعَكَ؟ قالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ [5] : قَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قالَ: نَعَمْ [6] . قالَ: مَرْحَبًا بِهِ، ونِعْمَ الْمَجِيءُ جاءَ. فَلَمَّا خَلَصْتُ فَإِذا مُوسَىَ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَ: مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ، والنَّبِيِّ الصَّالِحِ. فَلَمَّا تَجاوَزْتُ بَكَىَ، قِيلَ لَهُ [7] : ما يُبْكِيكَ؟ قالَ: أَبْكِي أَنَّ غُلَامًا [8] بُعِثَ بَعْدِي، يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِهِ أَكْثَرُ ممَّا يَدْخُلُ مِنْ أُمَّتِي» . وساق الحديث إلى أن قال: «ثُمَّ رُفِعَتْ إلى [9] سِدْرَةُ الْمُنْتَهَىَ، فَإِذا نَبِقُها مِثْلُ قِلَالِ هَجَرَ، وَإِذا وَرَقُها [10] مِثْلُ آذانِ الْفِيَلَةِ.» إلى أن قال: «ثمَّ أُمِرْتُ بِخَمْسِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ [11] . قالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ لَا تَسْتَطِيعُ خَمْسِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ [12] ، وَإِنِّي قَدْ جَرَّبْتُ النَّاسَ قَبْلَكَ، وَعالَجْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ أَشَدَّ الْمُعالَجَةِ، فارْجِعْ إلىَ رَبِّكَ، فَسَلْهُ [13] التَّخْفِيفَ لِأُمَّتِكَ. فَرَجَعْتُ إلى ربَّي، فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا.» وذكر بقيَّة الحديث إلى أن قال: «أُمِرْتُ بِخَمْسِ، ونادَىَ مُنادٍ: إنِّي أَمْضَيْتُ فَرِيضَتِي [14] ، وَخَفَّفْتُ عن عِبادِي» .
(الحَطِيمُ) : الحِجْرُ، وإنَّما قيل له الحَطيمُ لما حُطِم [15] مِنْ جِدَارِه، فلم يُسَوَّ ببناءِ [16] البيتِ، وتُرِكَ خارجًا [17] منه، مَحْطُومَ الجِدارِ [18] .
و (الشِّعْرَةُ) : العَانَة.
وقَوله [19] : (فَقَدَّ) معناه: قَطَعَ. والقَدُّ: القَطْعُ، ومثلُه [20] القَطُّ.
وقوله: (قَدْ أُرْسِلَ إليه؟) قد تقدَّم تفسيرُه [21] ، وذكرنا أَنَّ معناه: هَلْ أُرْسِلَ إليه لِيُعْرَجَ به إلى السماء؟ إذْ [22] كان الأمرُ في بَعْثِهِ [23] رسولًا معلومًا عندهم قبل ذلك، والله أعلم.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ: وهو أنَّه لا يُنْكَرُ أَنْ يكونوا لم يعلموا ذلك من بعثته؛ لأنَّهم عبادٌ للهِ [24] مُوكَّلُون بالعبادة، مُرتِّبون لِما أُمِرُوا به، مقصورون على ما أُرْصِدْوا له من الأمر الذي هم [25] بإزائه لا غيرَ، وليس عليهم إذا لم يعلموا [26] نَقْصٌ ولا لَوْمٌ؛ إذْ كانوا غيرَ مأمورين بأن يُؤمنوا بمُحَّمدٍ أمْرَ خِطابٍ، كما أُمِرَ محمَّدٌ أن يُؤمِنَ بهم [27] ، وَوُجُوبُ [28] طَلَبِ العلم [29] لا يَعْدُوا [30]
ص 555
الإنْسَ [31] والجِنَّ، وإنَّما حَظُّ الملائكةِ [32] الاجتهاد في العبادةِ، دُونَ طلَبِ العلم [33] ، وتَتَبُّعِ وُجُوهِهِ.
وأمَّا بكاءُ موسى عليه السلام فقد تقدَّم [34] أيضًا ذِكْرُه، وتقسيمُ [35] ضُروب [36] البكاء بوُجُوهِهِ [37] ، وأنَّه لم يكن على معنى [38] المحاسدة له والمنافسة فيما أُوتِيه من الكرامة.
وقوله: (فإذا نَبِقُها مثلُ قِلاَلِ هَجَرَ) يُريدُ: أنَّ حَبَّ ثمرِها في الوُفُورِ والكبرِ مثلُ قِلاَلِ هَجَرَ [39] ، و (القِلاَلُ) : الجِرَارُ، وهي معروفة عند المخاطبين بها، معلومةُ القَدْرِ، وهي التي حُدَّ [40] بها الكثير من الماء في قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا بَلَغَ الماءُ قُلَّتَيْنِ لم يحمل نجسًا [41] » . والتحديدُ لا يقعُ بالأمر المجهول.
وقوله: (ثمَّ [42] أُمِرْتُ بخمسين صَلاَةً) فإنَّه يُشْبِهُ أن يكونَ الأمرُ الأوَّلُ غيرَ مفروضٍ حَتْمًا، ولو كان عَزِيمةً [43] لم يكن لهما في ذلك مُراجعةٌ، ولا مُعَاوَدَةٌ، وإنَّما فَعَلَا ذلك على عِلْمٍ منهما بموضوعِ البُقْيَا [44] والتخفيف، وبابُ مَسْأَلةِ اللهِ تعالى والشفاعةِ إليه بَابُ الحاجةِ والافتقار، وهو نوعٌ من العبادة.
وقد كان لموسى صلى الله عليه وسلم من تقدمةِ [45] المعرفة بأمُور المُتَعَبِّدين من الأمم، وبما يَعْرِضُ من الموانع [46] في سُوءِ احتمالِ أطباعهم [47] إيَّاها، وقِلَّةِ استقلالهم [48] بها ما لم يكن لنبيِّنَا محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، فَخَشِي من جهةِ النُّصْحِ والشَّفقةِ ما أشارَ به عليه، وأرشَدَهُ إليه من طلب التخفيف عن أُمَّتهِ [49] ، واللهُ جَوادٌ كريمٌ، وبعباده رَؤُوفٌ رَحيمٌ، وقد أُنْجِحَتِ الطِّلْبَةُ، ونُودِي: قد خَفَّفْتُ عن عبادي وأَجْزِي بالحَسَنَة عَشْرًا [50] . فالصلواتُ [51] خَمسٌ في التخفيف عددًا، وخمسون في التَّضْعيف [52] مَثُوبَةً وأَجْرًا، والحمد للهِ على مِنَنِهِ [53] وإحْسانِه.
[1] (به) سقطت من (ر) و (ف) .
[2] (أي) سقطت من (ف) .
[3] (من هذا) سقطت من (ط) .
[4] في (ف) : (قال) .
[5] (قبل) سقطت من (م) .
[6] (قال نعم) سقطت من (ف) .
[7] (له) سقطت من (ر) و (ف) .
[8] في (ر) : (قال: أبكي غلامًا) وفي (ف) : (قيل: أبكي على) .
[9] في (أ) : (ثم رجعت إلى) وفي (ر) و (ف) : (ثم رحت إلى) وسقط في (م) : (رجعت) وسقطت منه كلمة (لي) .
[10] في (ط) : (مرقها) .
[11] زاد في (أ) : (فرجعت فمررت على موسى فقال بم أمرت؟ قال أمرت بخمسين صلاة كل يوم) .
[12] قوله: (إن أمتك لا تسطيع خمسين صلاة كل يوم) سقط من (أ) .
[13] في (ر) : (فاسأله) .
[14] في (ر) و (ف) : (فرضي) .
[15] قوله: (لما حطم) زيادة من (ط) .
[16] في (م) : (بناء) .
[17] في (أ) : (حاجزًا) .
[18] في (ر) و (ف) : (محطوم الجدر) وفي (م) : (عظوم الجدر) .
[19] (وقوله) سقطت من (ط) .
[20] في (أ) : (ومنه) .
[21] انظر: كلامه على الحديث رقم (93/ 349)
[22] في (أ) : (أي) .
[23] في (ر) : (من بعثه) .
[24] في (ط) و (أ) و (ر) و (ف) : (عباد الله) .
[25] في (م) : (هو) .
[26] في الفروع: (يعلموه) .
[27] (أن يؤمن بهم) سقط من (ر) .
[28] في (ط) : (ورغوب) .
[29] في (أ) : (ووجوب ظلم العباد) .
[30] في (م) : (لا يعبدوا) .
[31] في (ر) : (إلا) .
[32] في (أ) : (حظ الله الملائكة في) .
[33] زاد في (أ) : (ووجوبه) .
[34] انظر: كلامه على الحديث رقم (701/ 3207)
[35] في (أ) : (وفعم) .
[36] في (م) : (ضرب) .
[37] في الفروع: (ووجوهه) .
[38] في (ر) و (ف) : (على وجه) .
[39] قوله: (يريد: أن ... هجر) سقط من (ط) و (ر) و (ف) و (م) . هَجَرَ: قرية كانت قرب المدينة المشرفة تُنْسَب إليها القِلاَلُ الهَجَرِية. (التاج _ هجر_)
[40] في (ر) و (ف) : (جرَّ) .
[41] في (ر) و (ف) : (خبثًا) ، وهي التي كانت في الأصل تصحفت إلى المثبت، وانظر: سنن أبي داود رقم (63) ، عن ابن عمر.
[42] في (م) : (فقد) .
[43] في الفروع: (عَزْمَةً)
[44] في (أ) : (العقبى) وفي (ر) و (ف) و (م) : (الفتيا) .
[45] في (أ) : (تقديم) وفي (ر) و (ف) و (م) : (تقدم) .
[46] في (أ) : (المرابع) .
[47] في الفروع: (طباعهم) .
[48] في (ر) و (ف) : (طباعهم إليها فعله اشتغالهم) .
[49] في (ر) : (على أمته) .
[50] في الأصل و (ط) : (وأَجْرَى الحَسنَة عَشْرًا) وفي (أ) : (وأجزي الجنة غدًا) وفي (م) : (وإجزاء الحسنة) والمثبت من (ر) و (ف) .
[51] في (ط) : (فالصلاة) .
[52] في (م) : (وفي التضعيف خمسون) .
[53] في (ط) و (م) : (منِّه) .