8/ 18 - قال الإمام أبو عبد الله: حدَّثنا أَبُو اليَمَانِ، قَالَ: أخبَرنا شُعَيْبٌ، عن الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أخبَرني أَبُو إِدْرِيسَ عائذُ اللهِ
أَنَّ عُبَادَةَ بنَ الصَّامِتِ _وكان قد [2] شَهِدَ بَدْرًا، وهو أَحَدُ النُّقَباءِ لَيْلَةَ العَقَبَةِ_ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ: «بايِعُونِي عَلَىَ أَنْ لا تُشْرِكُوا بِاللهِ شَيْئًا، وَلا تَسْرِقُوا، وَلا تَزْنُوا، وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ، وَلا تَأْتُوا بِبُهْتانٍ تَفْتَرُونَهُ [3] بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ، وَلا تَعْصُوا فِي مَعْرُوفٍ، فَمَنْ وَفىَ مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ، وَمَنْ أَصابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ [4] فِي الدُّنْيا فهو كَفَّارَةٌ [5] ، وَمَنْ أَصابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا [6] ثُمَّ سَتَرَهُ اللهُ عليه [7] فهو إِلى اللهِ عز وجل، إِنْ شاءَ عَفا عَنْهُ، وَإِنْ شاءَ عاقَبَهُ» . فَبايَعْناهُ عَلَىَ ذَلِكَ.
يشكل من هذا الحديث قوله:(ولا
ص 24
تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم)والبُهتان: مصدر، يقال: بَهَتَ الرجلُ صاحبَه بَهْتًا وبُهْتانًا. وهو أن يكذبَ عليه الكذبَ الذي يَبْهَتُ [8] من شِدَّة نُكره، ويَتَحيَّر فيه، فيبقى مبهوتًا منقطعًا.
ومعناه ها هنا: قذفُ المُحصَنات والمُحصَنين [9] ، وهو من جملة الكبائر التي قرنه [10] بذكرها، وقد يدخل في ذلك الكذب على الناس، والاغتيابُ لهم، ورميهم بالعضايه [11] والعظائم، وكلِّ ما يُلْحِقُ بهم العارَ والفضيحة.
ومَوضع الإشكال في ذلك ذِكرُ [12] الأيدي والأرجل، فيقال: ما معنى ذكرها وليس لها صُنعٌ فيما وقع عنه النَّهي من البُهتِ؟
وتأويل ذلك على وجهين: أحدهما: أنَّ معظمَ أفعال الناس إنَّما تُضاف [13] منهم إلى الأيدي والأرجل، إذ [14] كانت هي [15] العواملَ والحواملَ، فإذا كانت المباشرةُ لها باليد والسعيُ إليها بالرجل، أُضيفت [16] الجنايات إلى هذين العضوين، وإن كان يشاركها سائر الأعضاء فيها، أو كانت تختصُّ بها دونها، ولذلك يقول الرجل إذا أولاه صاحبُه معروفًا من قولٍ أو بلاغٍ في حاجة ونحوها: صنع فلانٌ عندي يدًا، وله عندي يدٌ. ويُسمُّون الصَّنائع الأيادي، وليس لليد نفسها في شيءٍ منها صُنْع، وقد يُعاقَب الرجلُ بجناية يَجنيها قولًا بلسانه، فيقال له: هذا بما [17] كَسَبتْه يدك. واليدُ لا فعلَ لها ها هنا، ومن هذا قوله تعالى: {ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ} [الحج: 10]
ومعنى الحديث: لا تبهتوا الناسَ افتراءً واختلاقًا من قبل أنفسكم بما لم تعلموه منهم ولم تسمعوه فيهم، فتجنوا عليهم من قِبَل أيديكم وأرجلكم جنايةً تفضحونهم بها [18] ، وهم بُرَآءُ منها، فتأثموا وتستحقوا العقوبة عليها، واليد والرجل في هذا كناية عن الذات [19] ، على المعنى الذي بيَّنته لك [20] .
والوجه الآخر: أن يكون معناه: لا تبهتوا الناسَ بالعيوب كفاحًا [21] وأنتم [22] حضورٌ يُشاهد بعضكم بعضًا، كما يقول الرجلُ لصاحبه: قلتُ كذا، وفعلتُ كذا بين يديك. أي: بحضرتك ومَشْهدٍ منك، وهذا النوع أشدُّ
ص 25
ما يكون من البُهت، وأفظع [23] ما يكون من المكروه.
فأمَّا قول الله عز وجل في امتحان النساء المهاجرات: {وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ} [الممتحنة: 12] ، فإنَّه يحتمل إلى ما ذكرناه من هذين الوجهين وجهًا ثالثًا، لا مَساغَ له في نعوتِ [24] الرجال، وذلك حملهنَّ [25] ولدًا على أزواجهنَّ ليس منهم، وينسبنه إليهم، فيقلن: هذا منكم. وذلك أنَّ موضعَ الولد وحضانته وتربيته في صغره إنَّما هو فيما [26] بين الأيدي والأرجل منهنَّ [27] ، فأخَذَ [28] عليهنَّ من الشَّرط أن لا يأتين بكذبٍ وبُهتان من الفعل مَحَلُّه من أنفسهنَّ بين الأيدي والأرجل، وعلى هذا المعنى قولُ عمر بن أبي ربيعة المخزوميِّ:
~قلتُ لي حاجةٌ إليكِ فقالت بين أُذني وعاتقي ما تريدُ [29]
تُريد: أنَّها أمانةٌ في رقبتي، وذلك أنَّ مكان الرَّقبة بين الأذن والعاتق.
[1] في (ط) : (عابد الله) مصحفًا.
[2] في (ط) : (وهو)
[3] في (ط) : (ولا تأتين ببهتان تفترينه)
[4] في (أ) و (ر) : (فعوقب به) .
[5] في (أ) : (كفارة له) .
[6] قوله (فعوقب .. شيئًا) سقط من (ط)
[7] قوله: (عليه) سقط من الأصل، والمثبت من (ط) .
[8] في النسخ الفروع: (كذبة تبهت) .
[9] في (ط) : (المحصنين والمحصنات) .
[10] في (ط) : (قد فوبه) مصحفًا.
[11] هكذا في النسخ الستة، وجاء في هامش (ف) : العضه: الافتراء والكذب والتهم.
[12] (ذكر) : سقط من (ط) .
[13] في (م) : (تصاب) مصحفًا.
[14] في (م) : (إذا) مصحفًا.
[15] (هي) سقط من (ط) .
[16] في الأصل (فأضيف) زيادة الفاء، والمثبت من (ط) .
[17] في (ط) : (مما) .
[18] قوله: (بها) زيادة من (ط) .
[19] في النسخ الفروع زيادة: (جملة) .
[20] (لك) سقطت من (ط) .
[21] قوله (كفاحًا) أي مواجهة، يقال: كَفَحه كفحًا، وكافحه مكافحةً وكِفَاحًا: لقيه مُواجهة، وفي حديث جابر: «أنًّ الله كلَّم أباكَ كِفاحًا» ، أي: مواجهة ليس بينهما حجابٌ ولا رسل. انظر (التاج: كفح) .
[22] في الأصل: (وأنت) على الإفراد، والمثبت من (ط) .
[23] في (ر) و (م) : (وأفضع) .
[24] في (م) : (في بطون) مصحفًا.
[25] في (ط) : (بحملهن) .
[26] (فيما) سقطت من (ط) ، وفي النسخ الفروع: (إنما هو الحجر وهو بين) .
[27] في الأصل (منهم) ، والمثبت من (ط)
[28] في (ط) : (واحد) مصحفًا.
[29] لم أقف عليه في ديوانه، والبيت بلا نسبة في غريب الحديث لابن قتيبة (2/ 91) .