فهرس الكتاب
863/ 4547 - قال أبو عبد الله: حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، قال: حدَّثنا يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التُّسْتَرِيُّ، عن ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عن الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ:
عَنْ عائشة قَالَتْ: تَلَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم هَذِهِ الآيَةَ: هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ
[1] وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ [آية: 7] قَالَتْ: قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «فَإِذَا رَأَيْتَ [2] الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ما تَشَابَهَ مِنْهُ، فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّاهم اللهُ، فَاحْذَرُوهُمْ» .
هذه الآية مشكلة جدًّا وتأويل المتأوِّلين فيها مختلفة:
فأمَّا الآياتُ المحكماتُ فهي التي يُعْرَفُ بظَاهِرِ بنائها تأويلُها، ويَعْقِلُ واضِحَ أَدَلَّتِها بَاطِنُ معانيها. وقيل المحكمُ النَّاسِخُ.
فأمَّا المُتَشَابِهُ [3] : فقد اختلفَتْ [4] الأقاويلُ فيها، وجِمَاعُها ما اشْتَبَه [5]
ص 602
منها فلم يُتَلَقَّ [6] معناهُ مِنْ لَفْظِهِ، ولم يُدْرَكْ حُكْمَهُ من تِلاوته، وذلك على ضربين:
أحدُهما [7] : ما إذا رُدَّ إلى المحكم واعْتُبِرَ به [8] عُقِلَ مُرَادِهِ، وعُلِمَ معناه.
والضَّرْب الآخر: هو مَا لاَ سبيلَ إلى مَعْرفةِ كُنهِهِ والوُقُوفِ على حقيقته، ولا يعلمه إلَّا اللهُ عز وجل، وهو الذي يَتَّبِعُه أهلُ الزَّيْغِ ويَطْلُبُون سِرَّه، ويَتَّبِعُون تأويلَه، ويكثرُ [9] خَوْضُهم [10] في ذلك، فلا يَبْلُغُون كُنْهَهُ، ويَرْتَابُون بِأمْرِهِ، فَيُفْتَنون [11] به، وهو الذي أُشِيرَ إليه بقوله: (فإذا رَأيتَ الذينَ يَتَّبِعُون ما تَشَابَهَ منه فأُولئك الذين سَمَّاهم اللهُ فَاحْذَرُوهم) .
ومعنى ذلك: كُلُّ شيءٍ اسْتأثَر [12] اللهُ بِكُنْهِ عِلْمِهِ، وتَعَبَّدَنا بظاهرٍ منه [13] , وذلك كالإيمان بالقَدَرِ والمَشِيئة وعِلْم الصِفات ونحوها من الأُمور التي لم يُطَّلَعْ [14] على سِرِّها، ولم يُكْشَفْ [15] لنا عن مُغَيَّبِهَا [16] ، فالغَالي [17] في طَلَبِ عِلْمِها، والباحِثُ [18] عن عِلَلِها [19] طَالِبٌ لِلْفِتْنَةِ ومُتَّبِعٌ لها؛ لأنَّه غيرُ مُدْرِكٍ شَأْوَهَا، ولا مُنْتَهٍ إلى حَدٍّ منها تَسْكُنُ [20] إليه نفسُه، ويَطْمَئِنَّ [21] به قلبُه، ويَنْشرحُ له صَدْرُه، وذلك أمرٌ [22] لم يُكَلَّفهُ، ولم يُتَعَبَّدْ به، فالخَوْضُ فيه عُدْوَانٌ، والتعَّرُّضُ له فِتْنَةٌ، والعلماء الراسخون في العلم يقولون: {آمَنَّا بِهِ} اطَّلَعْنَا على كُنْهِ حقيقته أم لا [23] ، {كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا} أي: جائُزٌ أن يَتَعَبَّدَنَا اللهُ بما هذا سبيلُه من العلم، غيرِ مُسْتحيلٍ ذلك في الحكمةِ، فَيُسَلِّمَ الأمْرَ ولا يتعدَّى الحَدَّ، {وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ} ، وهم ذَوُو العُقول، أُوُلو [24] التأمُّلِ [25] والتَّدَبُّرِ للقرآن، وأهلُ البصائر، العالمون بِمنازلِ العُلُومِ ومَرَاتِبها، واختلاف أَقْسَامِها في الظُّهورِ والغُموضِ.
[1] (وما يعلم تأويله) ليست في (م) .
[2] في (أ) : (رأيتم) .
[3] في (م) : (المتشابهات) .
[4] في الأصل (اختلف) والمثبت من الفروع.
[5] في (أ) : (ما أشبهه) .
[6] في (أ) : (فلم يبق) .
[7] قوله: (أحدهما) زيادة من الفروع.
[8] (به) : سقط من (م)
[9] في (ر) و (ف) : (ويكثروا) .
[10] في (أ) : (حرصهم) .
[11] في الفروع: (فيفتتنون) .
[12] في (أ) : (استبد) .
[13] في (م) : (متنه) .
[14] في (ر) : (لا يطلع) .
[15] في (ر) : (ولا يكشف) .
[16] في (أ) و (ر) : (معانيها) .
[17] في (أ) : (فالمغالي) وفي (ف) : (فالعاني) .
[18] في (أ) : (والباعث) .
[19] في الفروع: (عن علمها) .
[20] في (ر) و (ف) و (م) : (لتسكن) .
[21] في (ر) و (ف) : (وطهر) .
[22] في (ر) و (ف) : (وذلك لمن) .
[23] في (ر) و (ف) و (م) : (أو لا) .
[24] في (م) : (أولي) .
[25] في (أ) : (التأويل) .