897/ 4811 - قال أبو عبد الله: حدَّثنا آدَمُ، قال: حدَّثنا شَيْبَانُ، عن مَنْصُورٍ، عن إِبْرَاهِيمَ، عن عَبِيدَةَ:
عَنْ عَبْدِ اللهِ قالَ: جَاءَ حَبْرٌ مِنَ الأَحْبَارِ إلىَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فقالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّا نَجِدُ: أَنَّ اللهَ يَجْعَلُ السَّمَوَاتِ علىَ إِصْبَعٍ وَالأَرَضِينَ علىَ إِصْبَعٍ، وَالشَّجَرَ علىَ إِصبَعٍ، وَالْمَاءَ
[1] وَالثَّرَىَ علىَ إِصْبَعٍ، وَسَائِرَ الْخَلَائِقِ [2] علىَ إِصْبَعٍ [3] ، فَيَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ. فَضَحِكَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم حَتَّىَ بَدَتْ نَوَاجِذُهُ تَصْدِيقًا لِقَوْلِ الْحَبْرِ، ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: {وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الزمر: 67] .
قلتُ: الأصلُ [4] في هذا وما أَشْبَهه من أَحَادِيث [5] الصِّفاتِ والأسماء [6] أنَّه لا يجوزُ ذلك إلَّا أن يكونَ بكتابٍ ناطِقٍ، أو خَبَرٍ مَقْطُوعٍ بصحَّته، فإنْ لم يكونا [7] فبما يَثْبُتُ من أخبار الآحاد المُسْتَنِدَة [8] إلى أَصْلٍ في الكتاب أو في السُّنَّة المقطوع بصحَّتها، أو بموافقة معانيها [9] ، وما كان بخلاف ذلك فالتَّوَقُّفُ عن [10] إطْلاَقِ الاسم [11] به هو الواجب، ويُتَأَوَّلُ حينئذٍ على ما يليق بمعاني الأُصُول المُتَّفَقِ عليها [12] من أقاويل أهل الدِّين والعلم [13] ، مع نَفْي التَّشْبِيهِ فيه، هذا هو الأصلُ الذي نَبني عليه الكلامَ، ونعتمدُه في هذا الباب.
وذِكْرُ الأصابع لم يُوجَدْ في شيء من الكتاب، ولا من السُّنَّة التي شَرْطُها في الثبوتِ مَا [14] وَصَفْنَاهُ، وليس معنى اليد في الصِّفات بمعنى الجارحة حتَّى يُتَوَهَّمَ بثبوتها ثُبوتُ الأصابع، بل [15] هو تَوقيفٌ شَرْعيّ أَطْلَقْنَا الاسْمَ فيه على ما جاء به الكتابُ [16] من غير تَكْيِيفٍ ولاَ تَشْبيه، فخرجَ بذلك عن [17] أن يكونَ له أَصْلٌ في الكتاب أو في السُّنَّة، أو أن يكونَ على شيءٍ من مَعَانِيهما [18] .
وقد رَوَى
ص 626
هذا الحديث غيرُ واحدٍ من أصحاب عبد الله من غير [19] طريق عُبيدة، فلم يذكُروا فيه قولَه [20] : (تصديقًا لقول الحَبْر) .
واليهودُ مُشَبِّهةٌ، وفيما يَدَّعُونه مُنَزَّلًا في التوراة ألفاظٌ تدخلُ في باب التشبيه، ليس القول بها من مذاهب المسلمين، وقد ثَبَتَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّه قال [21] : «مَا حَدَّثكم [22] أَهْلُ الكتاب فلا تُصَدِّقُوهم ولا تُكَذِّبُوهم، وقولوا: آمنَّا بما أنزلَ اللهُ من كتابٍ» [23] والنبيُّ صلى الله عليه وسلم أولى الخلق بأن يكون قد اسْتعملَه مع هذا الحَبْر [24] ، والدليل على صِحَّة ذلك [25] أنَّه لم يَنْطِقْ فيه بحرفٍ تصديقًا له أو تكذيبًا، إنَّما ظهر [26] منه في ذلك الضَّحِكُ المُخيِّلُ للرضا مَرَّة وللتَعَجُّب [27] والإنكار أُخْرَى [28] ، ثمَّ تَلاَ الآيةَ، والآيةُ مُحتملةٌ للوَجْهين معًا، وليس فيها [29] للأصْبع ذِكْرٌ.
وقولُ من قال من الرواة [30] : (تصديقًا لقول الحَبْر) ظَنٌّ وحُسْبَانٌ، والأمْرُ فيه ضَعيفٌ؛ إذْ كان لا تمحَّض شهادتُه لأحد الوجهين، ورُبَّما اسْتَدَلَّ المُسْتَدِلُّ بحُمْرَة اللَّونِ على الخَجَلِ، وبصُفْرَته على [31] الوَجَلِ، وذلك غَالِبُ مَجْرَى العادةِ في مثله، ثمَّ لا يَخْلُو ذلك من [32] ارْتيابٍ وشَكٍّ في صِدْقِ الشَّهادَةِ منهما [33] بذلك؛ لجواز أن تكونَ الحُمرةُ لِهَيْجِ [34] دَمٍ وزِيَادَةِ [35] مِقْدَارٍ [36] له في البَدَنِ، وأن تكونَ الصُّفْرةُ لِهَيْجِ [37] مِرارٍ [38] ، وثَوَرَانِ خِلْطٍ ونحو ذلك.
فالاسْتدلاَلُ بالتَّبَسُّمِ والضَّحِك في مثل هذا الأمر الجسيم قَدْرُه، الجليل خَطَرُهُ غيرُ سَائغِ مع تكافُؤ الوَجهين في الدَّلاَلَةِ [39] ، المُتَعَارِضَيْنِ فيه.
ولو صَحَّ الخبر من طريق الرِّواية كان ظاهِرُ اللَّفْظِ [40] منه مُتَأَوَّلًا على نَوْعٍ من المجاز، أو ضَرْبٍ من التَّمثيل، قد جرت به عادةُ الكلام [41] بين الناس في عُرْفِ تَخَاطُبهم، فيكون المعنى في ذلك على تأويل قوله عز وجل: {وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} [الزمر: 67] أي [42] : قُدْرَتُه على طَيِّها، وسُهولةِ الأَمْرِ في جمعها، وقِلَّةِ اعْتِيَاصِها عليه، بمنزلة مَنْ جمع شيئًا في كَفِّه، فاسْتَخَفَّ [43] حملَه، ولم يَشْتَمِلْ بجميع كَفِّهِ عليه، لكنَّه يُقِلُّه [44] ببعض أصابعه، وقد يقول الإنسانُ في الأمر الشَّاقِّ إذا أُضِيفَ إلى الرجل القَوِيِّ المُسْتَقِلِّ بعنائه [45] :
ص 627
إنَّه ليأتي [46] عليه بأُصْبَعٍ واحدةٍ، أو إنَّه يَعملُه بِخِنْصِرهِ، أو إنَّه يكفيه [47] بصُغْرَى أصابعه. أو ما أشبه [48] ذلك من الكلام الذي يرَادُ به الاستظهارُ في القدرة عليه، والاستهانة به. وكقول الشاعر:
~الرُّمْحُ لاَ أمْلأُ كَفِّي به واللِّبْدُ لاَ أَتْبَعُ تَزْوَالَه [49]
يُريدُ أنَّه لا يتكلَّفُ أن يَجْمَعَ كَفَّه فَيَشْتَمِلَ بها كُلِّها على الرمح، لكن يَطْعَنُ به خَلْسًا بأطرافِ أصابعه.
وفيما يُضَادُّ [50] هذا المذهبُ قول قيس بن الخَطِيم يصف طَعْنَةً:
~مَلَكْتُ بها كَفِّي فَأَنْهَرْتُ فَتْقَها يَرَى قَائمٌ مِنْ دُونها ما وراءَهَا [51]
يُريدُ الاستيفاءَ لها بجميع كَفِّه، واسْتِنْفَاذِ [52] قُوَّته فيها، من قولكَ: مَلَكْتُ العَجِينَ؛ إذا أَنْعَمْتَ عَجْنَه [53] ، وبَالَغْتَ في عِلاَجِهِ.
ويؤكِّد ما ذهبنا إليه حديث أبي هريرة الذي رواه أبو عبد الله في أثره.
[1] زاد في الفروع: (على أصبع) .
[2] في (ر) و (ف) : (الخلق) .
[3] (على إصبع) سقطت من (أ) وجاء مكانها: (كلها) .
[4] في (ر) و (ف) : (القول) .
[5] في الأصلين و (م) : (أحداث) ، والمثبت من (أ) و (ر) و (ف) .
[6] في (أ) و (م) : (بالأسماء) .
[7] في الأصل: (يكونوا) ، والمثبت من (ط) ، و (م) ، وعمدة القاري (15/ 410) ، نقلًا عن الخطابي
[8] في الفروع: (المسندة) .
[9] في (م) : (أو الموافقة لمعانيها)
[10] في (م) : (على) .
[11] في (ف) : (الأم) .
[12] في (م) : (عليه) ، على التذكير
[13] في (ط) : (العلم والدين) .
[14] في (أ) : (على ما) .
[15] (بل) سقطت من (أ) .
[16] (الكتاب) : سقط من (م)
[17] (عن) سقطت من (أ) و (ر) و (ف) .
[18] في (ر) و (ف) : (معانيها) .
[19] (غير) سقطت من (ر) و (ف) و (م) .
[20] (قوله) سقطت من (أ) .
[21] (أنه قال) سقط من (ف) .
[22] زادَ في (أ) : (به) وكذا في عمدة القاري (15/ 410) نقلًا عن الخطابي
[23] انظر البخاري رقم (4485) ، عن أبي هريرة وعمدة القاري: (15/ 410)
[24] قوله: (والنبي صلى الله عليه وسلم أولى .. الحبر) سقط من (م) .
[25] في الفروع: (هذا) .
[26] في (ر) و (ف) و (م) : (ذكر) .
[27] في (ر) و (ف) و (م) : (والتعجب) .
[28] قال ابن حجر: قال ابن التين تكلف الخطابي في تأويل الإصبع وبالغ حتى جعل ضحكه صلى الله عليه وسلم تعجبا وإنكارا لما قال الحبر. قال النووي وظاهر السياق أنه ضحك تصديقا له بدليل قراءته الآية التي تدل على صدق ما قال الحبر والأولى في هذه الأشياء الكف عن التأويل مع اعتقاد التنزيه فإن كل ما يستلزم النقص من ظاهرها غير مراد. فتح الباري: 8/ 551.
[29] في (ط) : (فيهما) وفي (ر) و (ف) : (فيه) .
[30] في (ر) و (ف) : (الرواية) .
[31] (الخجل وبصفرته على) سقط من (ط) .
[32] في (ر) و (ف) و (م) : (في) .
[33] في الفروع: (منهم) .
[34] في (أ) و (ر) و (ف) : (تهيج) .
[35] (زيادة) سقطت من (ر) و (ف) و (م) .
[36] في (ف) : (مقادر) .
[37] في (أ) و (ر) و (ف) : (تهيج) وفي (م) : (أهيج) .
[38] قوله: (وزيادة مقدار ... لهيج مرار) سقط من (ط) .
[39] في الفروع: (وحهي الدلالة) .
[40] قوله: (اللفظ) سقط من الأصل والمثبت من (ط) .
[41] في (م) : (عادة من الكلام) .
[42] في الفروع: (أن) .
[43] (استخف) سقطت من (ر) و (ف) .
[44] في (م) : (يقل) .
[45] في الأصل: (بعباده) ، وفي (أ) و (ر) و (ف) : (بعينه) ، وفي (م) : (يعيبه) ، والمثبت من (ط) .
[46] في (ر) و (ف) : (يأتي) .
[47] في حاشية الأصل أشار إلى أنه في نسخة (يقله) .
[48] معظم الورقة (176) طمس في (ط) .
[49] البيت لابن زَيَّابَة التيمي في الحماسة: (1/ 89) ، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي: (1/ 142) ، وخزانة الأدب (2/ 334) وينسب إلى عمرو بن معد يكرب في ديوانه (197)
[50] في (ر) و (ف) : (يصادف) .
[51] البيت لقيس بن الخطيم في ديوانه 8، وله في خزانة الأدب (3/ 168) ، ومشكل غريب القرآن (174) والمحرر الوجيز (1/ 108) ، وتفسير القرطبي (1/ 239) ، والدر المصون (1/ 47) ، والصحاح، والعباب، واللسان، والتاج (ملك، نهر) . وبلا نسبة في المخصص (17/ 157)
[52] في (م) : (واستيفاء) .
[53] في (م) : (العجينة .... عجنها)