902/ 4850 - قال أبو عبد الله: حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قال: حدَّثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن هَمَّامٍ:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ النَّبِيُّ
[1] صلى الله عليه وسلم: «تَحَاجَّتِ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ، فقالتْ النَّارُ: أُوثِرْتُ بِالْمُتَكَبِّرِينَ وَالْمُتَجَبِّرِينَ. وَقَالَتِ الْجَنَّةُ: ما لِي لَا يَدْخُلُنِي إلَّا ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَسَقَطُهُمْ. قالَ اللهُ تَعَالَىَ [2] لِلْجَنَّةِ: أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي.
ص 629
وَقالَ لِلنَّارِ: إِنَّمَا أَنْتِ عَذَابٌ [3] ، أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي [4] ، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا [5] مِلْؤُهَا، فَأَمَّا النَّارُ: فَلَا تَمْتَلِئُ حَتَّىَ يَضَعَ رِجْلَهُ، فَتَقُولُ: قَطْ قَطْ قَطْ [6] . فَهُنَالِكَ تَمْتَلِئُ، وَيُزْوَىَ بَعْضُهَا إلىَ بَعْضٍ، وَلَا يَظْلِمُ اللهُ مِنْ خَلْقِهِ أَحَدًا، وَأَمَّا الْجَنَّةُ: فَإِنَّ اللهَ يُنْشِئُ لَهَا خَلْقًا».
هكذا قال [7] : (فلا تمتلئُ حتَّى يَضَعَ رِجْلَه) على تعليق الإضافة، وهذه جملةُ ما أوردَهُ أبو عبد الله في كتابه من ذِكْرِ القدم والرجل، ومخارجها في الرواية كما ترى، إمَّا صريح الإضافة من غيرِ رفعٍ، وإمَّا رَفْعٌ من غير تصريح بالإضافة، فَيُشبه أن يكونَ من ذِكْرِ القدمِ والرِّجْلِ [8] وتَرْكِ الإضافة، إنَّما تركها تَهَيُّبًا لها [9] ، وطلبًا للسَّلاَمَةِ [10] من خطأ التأويل فيها.
وكان أبو عبيد [11] _ وهو أحدُ أئمَّة أهل العلم [12] _ يقول: نحن نَروي هذه الأحاديث، ولا نريغ لها المعاني، ونحن أَحْرِيَاءُ [13] بأن لا نتقدَّم [14] فيما [15] تأخَّرَ عنه مَنْ هو أكثرُ علمًا، وأقدمُ زمانًا وسِنًّا، ولكنَّ الزمانَ الذي نحن فيه قد جَعَلَ أَهْلَه حِزْبَيْن، مُنْكرٌ لِمَا [16] يُرْوَى من نوعِ هذه الأحاديث رَأْسًا، ومُكَذِّبٌ به أَصْلًا، وفي ذلك تَكْذِيبُ العلماء الذين [17] رَوَوْا هذه الأحاديث، وهم أئمَّةُ الدِّين، ونَقَلَةُ السُّنَنِ، والوَسَائط [18] بيننا وبين الرسول صلى الله عليه وسلم.
والطَّائفةُ الأخرى مُسَلِّمةٌ للرِّواية فيها، ذَاهِبَةٌ في تحقيق الظاهر منها مذهبًا يكادُ يُفْضِي بهم إلى القول بالتشبيه، ونحن نَرْغَبُ عن الأمرين معًا [19] ، ولا نَرْضَى بواحدٍ منهما مَذْهَبًا، فَيَحِقُّ علينا أن نَطلبَ لِمَا يَرِدُ من هذه الأحاديث إذا صَحَّتْ من طريق النَّقْل والسَّنَدِ تَأويلًا يُخَرَّجُ على معاني أصول الدِّين، ومذاهب العلماء، ولا تُبْطِلُ الرِّوايةُ فيها [20] أصْلًا؛ إذْ كانت طُرُقُها مَرْضِيَّةً ونقلتُها عُدُولًا. [21]
فّذِكْرُ القَدَم هاهنا يَحْتَمل أن يكونَ المرادُ به مَنْ قَدَّمَهم اللهُ تعالى للنَّار من أهلها، فيقعُ بهم استيفاءُ عَدَدِ أهلِ النَّارِ، كُلُّ شيء قَدَّمْتَه فهو قَدَمٌ، كما قيل لما هَدَمْتَه: هَدَمٌ؛ ولما قَبَضْتَه قَبَضٌ؛ ومن هذا قوله: {أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ} [يونس: 2] ، أي مَا قَدَّمُوهُ من الأعمال الصالحة،
ص 630
وقد رُوي معنى هذا عن الحَسَن [22] ، ويُؤَيدُهُ قولُه في الحديث: (وأمَّا الجنة: فإنَّ اللهَ يُنْشِئُ [23] لها خَلْقًا) فاتَّفَقَ المعنيان في أنَّ كُلَّ واحدةٍ من الجَنَّة والنَّار تُمَدُّ بزيادة عَدَدٍ يَسْتَوْفي بها عِدَّةَ [24] أَهْلِها، فتمتلئ عند ذَاكَ [25] .
وقد تأوَّلَ بعضُهم الرِّجْلَ على نحو من [26] هذا: قال: والمُرادُ به استيفاءُ عَدَد الجماعة الذين اسْتَوْجَبُوا دُخُولَ النار.
قال [27] : والعرب تُسَمِّي جماعة الجراد رِجْلًا [28] ، كما سَمُّوا جماعةَ الظِّبَاء سِرْبًا، وجماعةَ النَّعَامِ خَيْطًا، وجماعةَ الحمير عَانَةً.
قال: وهذا وإنْ كانَ اسْمًا خاصًّا لجماعة الجراد، فقد يُسْتعارُ في جماعةِ الناسِ على سبيل [29] التشبيه، والكلامُ المُسْتعارُ، والمَنْقُولُ مِنْ [30] مَوْضعه كثيرٌ، والأمرُ فيه عند أهل اللغة مشهورُ.
قلتُ: وفيه وَجْهٌ آخرُ: وهو أنَّ هذه الأسماءَ أَمْثَالٌ يُرادُ بها إثباتُ مَعَانٍ لاحَظَّ لظاهر الأسماء فيها من طريق الحقيقة، وإنَّما أُرِيدَ بِوَضْعِ [31] الرِّجْل عليها نَوْعٌ من الزَّجْرِ لها، والتَّسْكين من غَرْبِها [32] ، كما يقول القائل [33] للشيء، يُريدُ مَحْوَهُ وإبطالَه: جعلتُه تحت رِجْلي، وَوَضَعْتُه تحتَ قَدَمي [34] . وخَطَبَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عام الفتح فقال: «أَلاَ إنَّ كُلَّ دَمٍ ومَأْثُرَةٍ في الجاهليَّة فهو تحت قَدَمَيَّ هاتين، إلَّا سِقَايةَ الحاجِّ وسِدَانَة البيت» [35] يُريدُ: مَحْوَ تِلْكَ [36] المآثرِ وإبطالَها، وما أكثرَ ما تَضْرِبُ العَرَبُ الأمثالَ في كلامها بأسماء الأعضاء، وهي لا تُرِيدُ أعْيَانَها، كقولهم في الرجُل يَسْبقُ منه القولُ أو الفعلُ، ثمَّ يَنْدَمُ عليه: قَدْ سُقِطَ في يَدِهِ؛، أي: نَدِمَ. وكقولهم: رَغِمَ أنْفُ فلانٍ [37] ؛ إذا ذَلَّ. وعَلاَ كَعْبُه؛ إذا جَلَّ. وجعلتُ كلامَ فلانٍ دَبْرَ أُذُني. وجعلتُ يا هذا حاجتي بِظَهْر. ونحوها من ألفاظهم الدَّائرة في كلامهم، وكقول امرئ القيس في وَصْفِ طُولِ الليل:
~فقلتُ لهُ لَمَّا [38] تَمَطَّى بِجَوْزِهِ [39] وأَرْدَفَ أعجازًا ونَاءَ بِكَلْكَلِ [40]
وليس هُناكَ [41] صُلْبٌ
ص 631
ولا عَجْزٌ ولا كَلْكَلٌ، وإنَّما هي [42] أمْثَالٌ ضَرَبَها لِمَا أرادَ مِنْ بيانُ طولِ الليل، واسْتِقْصَاء [43] الوَصْفِ [44] له، فَقَطَّعَ اللَّيْلَ تَقْطِيعَ ذِي [45] أعضاء من الحيوان قد [46] تمطَّى عند إقباله، وامْتَدَّ بَعْدُ بدوامِ [47] رُكُودِه وطولِ سَاعاته.
وقد تُستعملُ الرِّجْلُ أيضًا في القَصْد للشيء، والطلب له على سبيل جِدٍّ وإلحاحٍ. يُقال: قام فلانٌ في هذا الأمر على رِجْلٍ، وقامَ على سَاقٍ؛ إذا جَدَّ في الطَّلَب، وبَالَغَ في السَّعْي، وهذا بابٌ [48] كثيرُ التصرُّفِ، ومَخْرَجُ الحديث على ما تَراهُ من الوقف [49] والتعليق.
فإنْ قيل: فَهَلاَّ تأوَّلْتَ اليدَ والوَجْهَ [50] على هذا النوع من التأويل، وجعلتَ الأسماءِ فيهما [51] أمثالًا كذلك.
قيل: إنَّ هذه الصفات مذكورة في كتاب الله عز وجل بأسمائها، وهي صفاتُ مَدْح، والأصل أنَّ كُلَّ صِفَةٍ جاء بها الكتابُ، أو صَحَّتْ بأخبار التواتر، أو رُويَتْ من طريق الآحاد، وكان لها أصل في الكتاب، أو خُرِّجَتْ على [52] بعض معانيه، فإنَّا نقول بها ونُجْريها على ظاهرها من غير تكييف.
وما لم يكن له [53] منها في الكتاب [54] ذِكْرٌ، ولا في التواتر أَصْلٌ، ولا له [55] بمعاني الكتاب تعلُّقٌ، وكان مجيئه من طريق الآحاد، وأفْضَى بنا القولُ إذا [56] أجريناه على ظاهره إلى التشبيه فإنَّا نتأوَّلُه على معنىً يحتملُه الكلامُ، ويزولُ معه [57] معنى التشبيه، وهذا هو الفرق بين ما جاء من ذكر القدم والرجل والسَّاق، وبين اليد والوجه والعين، وبالله العِصْمة، ونسألْه التوفيق لصواب [58] القول، ونعوذ به من الخطأ والزَّلَل فيه، إنَّه رَؤُوف رحيم.
[1] في (أ) : (رسول الله) .
[2] (الله تعالى) ليست في (ر) و (ف) .
[3] في (ر) و (ف) و (م) : (عذابي) .
[4] قوله: (وقال للنار ... من عبادي) سقط من (أ) .
[5] في (أ) و (ر) و (ف) : (منكما) .
[6] (قط) تكررت في الفروعمرتين.
[7] في الفروع: (قال هكذا قال) .
[8] قوله: (ومخارجها ... والرجل) سقط من (ر) و (ف) .
[9] (لها) سقطت من (ر) و (ف) .
[10] في (ر) و (ف) : (وطلب السلامة) .
[11] في (أ) و (م) : (أبو عبيدة) ، بالمربوطة
[12] قوله: (وهو أحد أئمة أهل العلم) سقط من الفروع.
[13] في (أ) : (أحرى) .
[14] في (أ) : (نقدم) .
[15] في (ف) : (فيها) .
[16] في الفروع: (ما) .
[17] زاد في (أ) : (هم) .
[18] في الفروع: (والواسطة) ، على الإفراد
[19] قوله: (معًا) زيادة من الفروع.
[20] (فيها) سقطت من (م) .
[21] في (م) : (عَدولٌ) بالرفع
[22] (عن الحسن) : سقط من (ر) و (ف) و (م)
[23] في (ر) و (ف) : (فينشئ الله) .
[24] في الفروع: (عدد) .
[25] في (أ) و (ر) و (ف) : (ذلك) .
[26] (من) سقطت من (م) .
[27] في (ط) : (قالوا) .
[28] انظر: التاج (رجل)
[29] في (ر) و (ف) : (على شبيه) .
[30] في (م) : (عن)
[31] في (ر) و (ف) : (موضع) .
[32] في (ر) و (ف) : (عذابها) وفي (م) : (غردها) . والغَرْبُ بالفتح، وسكون الراء: الحِدَّة، والغَرْبُ: النشاط والتمادي. (التاج _ غرب _)
[33] في (ر) و (ف) : (العائد) .
[34] (ووضعته تحت قدمي) سقط من (ر) و (ف) .
[35] انظر: سنن ابي داود رقم (4547) ، عن عبد الله بن عمرو
[36] في (ر) و (ف) : (ذلك) .
[37] في الفروع: (الرجل) .
[38] (لما) سقطت من (ف) .
[39] في (أ) و (ر) و (ف) : (بصلبه) .
[40] البيت لامرئ القيس من معلقته في الديوان: (18)
وله في شرح القصائد المشهورات: (1/ 31) ، وبيان إعجاز القرآن للخطابي: (57) ، وعمدة الحفاظ (4/ 2709) ، وخزانة الأدب (2/ 326) والمحكم واللسان، والتاج (كلل)
[41] (ليس هناك) سقطت من (ر) و (ف) وفي (ر) : (لا صلب) .
[42] قوله: (هي) زيادة من الفروع.
[43] (واستقصاء) سقطت من (أ) .
[44] في (ر) و (ف) : (للوصف) .
[45] في (ر) و (ف) : (في) .
[46] في (م) : (إذ قد) .
[47] في (ر) : (دوام) .
[48] في الفروع: (الباب) .
[49] في (أ) : (التوقف) .
[50] في (أ) : (والرجل) .
[51] في (ف) : (فيها) .
[52] (على) سقطت من (م) .
[53] (له) سقطت من (ر) و (ف) .
[54] في (م) : (يكن منها في الكتاب له) .
[55] في (أ) : (ولا بمعنى) .
[56] (إذا) : سقط من (م)
[57] في (م) : (به)
[58] في (م) : (الصواب)