فهرس الكتاب

الصفحة 1674 من 2203

903/ 4854 - قال أبو عبد الله: حدَّثنا الْحُمَيْدِيُّ، قال: حدَّثنا سُفْيَانُ، قالَ: حَدَّثُونِي عن الزُّهْرِيِّ: عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ:

عن أَبِيهِ قالَ: سَمِعْتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ، فَلَمَّا بَلَغَ هَذِهِ الآيَةَ: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ. أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُونَ} [الطور:35 - 36] . كَادَ قَلْبِي أَنْ يَطِيرَ.

قلتُ: إنما كان انزعاجُه عند

[1] سَماع هذه الآية لِحُسْنِ تَلَقِّيه [2] معنى الآية، ومعرفته [3] بما تَضَمَّنَتْهُ من بليغ الحُجَّة

ص 632

فاسْتَدْركَها، واسْتَشَفَّ معناها بِذَكِيِّ فهمه، وهذه الآية مشكلة جدًّا.

وقال أبو إسحاق الزَّجَّاج في هذه الآية: وهي أَصْعَبُ ما في هذه السورة، قال بعضُ أهل اللغة: ليس هم بأشَدِّ [4] خَلْقًا من خَلْقِ السمواتِ والأرض؛ لأنَّ السمواتِ والأرضَ خُلِقَتَا [5] مِنْ غيرِ شيءٍ، وهم خُلِقُوا من آدَمَ، وآدمُ خُلِقَ من تُرابٍ.

قال: وقيل فيها قولٌ آخرُ: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ} ؛ أَمْ خُلِقُوا لغير شيءٍ؛ أي [6] : خُلِقُوا بَاطِلًا لا يُحاسَبُون ولا يُؤْمَرُون ولا يُنْهَوْن.

قلت أنا [7] : وهاهنا قولٌ ثالث، هو أجودُ [8] من القولين اللذين ذكرهما أبو إسحاق، وهو الذي [9] يَليقُ بنظم الكلام، وهو أن يكونَ المعنى: أم خُلِقُوا من غير شيء خلقهم [10] ، فَوُجِدُوا بلا خَالقٍ، وذلك ما لا يجوزُ أن يكونَ؛ لأنَّ تعلُّقَ الخَلْقِ بالخالقِ من ضَرورةِ الاسم، فلا بُدَّ له [11] من خَالِقٍ، فإذا قد أنكروا الإلهَ الخالقَ، ولم يَجِزْ أنْ يُوجَدُوا بلا خالقٍ خَلَقَهم، أَفهم [12] الخالقون لأنفسهم؟ وذلك في الفساد أكثر، وفي البُطلان أشَدُّ؛ لأنَّ مَالاَ وجودَ له، فيجوز أن يكونَ موصُوفًا بالقُدْرَة! كيف يُخْلَقُ، وكيف يُتَأَتَّى منه الفعلُ؟!.

وإذا بَطَلَ الوجهان معًا قامت الحُجَّةُ عليهم بأنَّ لهم خَالقًا، فَلْيُؤْمِنُوا به إذًا.

ثُمَّ قال: {أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُونَ} [الطور: 36] ، أي: إنْ [13] جازَ لهم أنْ يَدَّعُوا خَلْقَ أنفسهم في تلك الحال فَلْيَدَّعُوا خَلْقَ السمواتِ والأرضَ، وذلك شيء لا يُمْكنُهم [14] أن يَدَّعُوه بوَجهٍ، فهم مُنْقَطِعُون [15] ، والحُجَّةُ لازمةٌ لهم من الوجهين معًا.

ثمَّ قال: {بَل لَّا يُوقِنُونَ} فَذَكَرَ العِلَّةَ التي عَاقَتْهم عن الإيمان [16] ، وهي [17] عَدَمُ اليقين الذي هو موهبة من الله عز وجل، ولا يُنالُ إلَّا بتوفيقه، ولهذا كان انزعاجُ جبير بن مُطْعِمٍ حتَّى [18] قال: كاد قلبي أَنْ يَطيرَ. واللهُ أعلم.

وهذا باب لا يفهمه [19] إلَّا أرباب القلوب.

[1] في (م) : (من) .

[2] في (أ) : (تلتقيه) .

[3] زاد في (م) : (من بليغ ما تضمنته) .

[4] في (م) : (أشد) .

[5] (خلقتا) سقطت من (ر) و (ف) .

[6] في (أ) و (ر) و (ف) : (أم) .

[7] في الفروع: (قال الشيخ) .

[8] في (ر) و (ف) : (أجودهما) .

[9] في (م) : (وهو أَنَّ الذي)

[10] قوله: (خلقهم) زيادة من الفروع.

[11] (له) سقطت من (م) .

[12] في (م) : (أم هم) .

[13] في (ر) و (ف) : (بأن) .

[14] في (ر) و (ف) : (لا يمكن) .

[15] في (م) : (منقطعين) ، على النصب بالياء

[16] في (م) : (الإيتان) ، وهو تحريف

[17] في (ر) و (ف) : (وهو) .

[18] في (ف) : (حين) .

[19] في (ر) : (وهؤلاء الآيات لا يفهمها) وفي (ف) : (وهؤلاء آيات لا يفهمه) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت