فهرس الكتاب
1001/ 5586 - 5587 - قال أبو عبد الله: حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، قال: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ:
أَنَّ عائشة قَالَتْ:
ص 693
سُئِلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنِ الْبِتْعِ، وَهْوَ نَبِيذُ الْعَسَلِ، وَكَانَ أَهْلُ الْيَمَنِ يَشْرَبُونَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهْوَ حَرَامٌ» .
قلت: أشارَ رسول الله
[1] صلى الله عليه وسلم إلى الشراب الذي هو جنس المشروب، وجَعَلهَ حرامًا، فدخَلَ فيه قليلهُ وكثيرهُ، بأيّ اسمٍ سُمِّي، وبأيَّة [2] صِفَةٌ حُدَّ، وهو معنى قول عمر: والخمر ما خَامَر العقلَ.
وفيه إبطالُ [3] قول مَنْ زَعَمَ أنَّ الإشارة بالمُسكر في قوله صلى الله عليه وسلم: «ما أَسْكَر كثيرهُ فقليلهُ حرامٌ» [4] إنَّما وقعت إلى الشَّرْبَة الآخرة [5] ، أو إلى الجُزْء الذي يظهر السُّكْرُ على [6] شاربه عند شربه.
قلت: ومعلومٌ من طريق العادة والمعقول أنَّ الإسكارَ لا يختصُّ بجزء من الشراب دون جُزْء، وإنَّما تُوجَدُ أجزاءُ السُّكر في أجزاء المشروب، على سبيل التعاون، كالشَّبَع بالمأكول والرَّيِّ بالماء [7] المشروب، وكل أَمْرٍ يُؤَدِّي إلى [8] نَقْضِ [9] المعارف فهو مَنْقُوض، وليس في المعارف أن يكونَ فِعْلُ الجُزء [10] من الشيء أكثر من فِعْلِ كُلِّه، هذا مُحالٌ، وليس يخلو الشَّرابُ الذي يُسكر كثيرهُ إذا كان في الإناء [11] من أن يكونَ حَلاَلًا أو حَرَامًا، فإن كان حَرَامًا [12] لم يجز أن يُشْرَبَ منه قليلٌ، وإن كان حلالًا لم يجز أن [13] يَحْرُم منه شيءٌ [14] .
فإن قيل: إنَّ الشَّرابَ حَلاَلٌ في نفسه، ولكنَّ الله تعالى نَهى أن يُشْرَبَ منه ما يُزِيلُ العُقولَ.
قيل: فينبغي أن تكونَ الشَّرْبةُ التي تُزيلُ العَقْلَ وتُسْكِرُ معلومةً، يعرفها كُلُّ شَاربٍ، إذْ غير جائزٍ أن يُحَرِّمَ الله على خلقه شيئًا ويَتَعَبَّدَ هم به، ولا يجعل لهم السَّبيلَ إلى معرفة ما حَرَّمَ، ومعلومٌ أنَّ طِبَاعَ الناس مختلفةٌ، فقد يَسْكَرُ الواحدُ بالمقدار الذي لا يَسْكَرُ صاحبهُ بِشُربِ مثله، وإذا قيسَ [15] هذا بطبائع [16] الناس لم يُضْبطْ ولم يُعْلَمْ، والتَّعَبُّدُ لا يقع إلَّا بالأمر
ص 694
المعلوم، وإلَّا لم تَقَمْ [17] به الحُجَّةُ، وما أَدَّى إلى [18] هذا كان بَادِيَ [19] العُوار [20] ، ظاهرَ الفساد.
وقال قائل: إنَّ الناسَ لمَّا اختلفوا في الأشربة، وأجمعوا على تحريم خمر العِنَب، واختلفوا فيما سِوَاه لَزِمَنَا [21] ما أجمعُوا [22] على تحريمه، وأَبَحْنَا ما سِواهُ.
وهذا خطأ فَاحِشٌ، وقد أمر الله المُتَنَازِعين أن يَرُدُّوا ما تَنَازَعُوا فيه إلى الله والرسولِ، فكلُّ مُختلَفٍ فيه من الأشربة مَرْدُودٌ إلى تحريم اللهِ وتحريم رَسولهِ [23] الخمرَ [24] ، وقد ثَبتَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: «كُلُّ شَرَابٍ أسْكَر فهْوَ حرامٌ» [25] . فأشارَ إلى الجنس بالاسم [26] العامِّ، والنَّعْت الخاصِّ الذي هو عِلَّةُ الحُكْمِ، فكان ذلك حُجَّةً على المختلفين، ولو لَزِمَ ما ذهب إليه هذا القائل للزِمَ مثلهُ في الرِّبَا والصَّرْف، ونِكاحِ المُتعة؛ لأنَّ الأمَةَ قد اختلفت [27] فيها.
فلو قال قائل: كان الرِّبَا مُبَاحًا قبل أن يُحَرَّمَ، فلمَّا حُرِّمَ نَظَرْنَا إلى ما أجمعوا عليه، فحرَّمناه، وأبحنا ما اختلفوا فيه، فلا بأسَ بالدِّرْهَم [28] بالدِّرْهَمَيْنِ يَدًا بيد، وإنَّما يَحْرُمُ منه ما يكونُ غائبًا بِنَاجِزٍ، وكذلك الأمر في المُتعة، فلمَّا لم يلزمْ هذا، وكان الحُكمُ لما وَرَدَ به التحريم في الفِضَّة بالفِضَّة إلَّا مِثلًا بمثل، يدًا بيد، ولِمَا ثَبَتَ من تحريم المُتْعة، ولم [29] يُلْتَفَتْ إلى ما سَوى ذلك كان الأمرُ كذلك في اختلافهم في الأشربة؛ لِمَا قال صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ شَرَابٍ أسْكَر فهْوَ [30] حَرامٌ» [31] ، و «ما أَسْكَر كثيرهُ فقليلهُ حرامٌ [32] » ، و «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ» [33] في عِدَّة أحاديث لا نَشُكُّ [34] في ثُبوتِها، لَمْ [35] يُلْتَفَتْ إلى الاختلاف، ولم يُعْتَدَّ به، وليس الاختلافُ حُجَّةً، وبَيَانُ السُّنَّة حُجَّةٌ [36] على المختلفين، من الأوَّلين والآخرين.
[1] قوله: (رسول الله) زيادة من الفروع، إلَّا في (أ) : (النبي) .
[2] في (ر) و (ف) و (م) : (وبأي) .
[3] في الفروع: (بطلان) .
[4] انظر: سنن أبي داود: رقم (3681) ، عن جابر بن عبد الله.
[5] في (ر) : (الأخيرة) .
[6] في (أ) : (عند) .
[7] (بالماء) : سقط من (أ) و (م) .
[8] (إلى) سقطت من (أ) .
[9] في (ف) : (بعض) .
[10] أقحم في (م) هنا: (فعل) .
[11] في (ف) : (الإماء) .
[12] (فإن كان حرامًا) سقط من (ف) .
[13] قوله: (يشرب منه .. لم يجز أن) سقط من (م) .
[14] قوله: (قليل وإن كان ... منه شيء) سقط من (ر) .
[15] في (ف) : (فسر) .
[16] في (ر) و (ف) : (بطباع) .
[17] في (م) : (تقع) .
[18] في (ر) و (ف) : (وأما إذا أتى) .
[19] في (م) : (يُؤدي) .
[20] في (ر) و (ف) : (العواري) .
[21] في (ر) و (ف) و (م) : (حرمنا) .
[22] في (ر) و (ف) : (ما اجتمعوا) .
[23] في (م) : (رسول الله) .
[24] (الخمر) سقطت من (ر) و (ف) .
[25] انظر: البخاري، رقم (5586) ، عن عائشة رضي الله عنها.
[26] في (ف) : (باسم) .
[27] (قد اختلفت) سقطت من (م) .
[28] قوله: (قبل أن يحرم ... بالدرهم) سقط من (ر) و (ف) .
[29] في (ف) : (ولما) .
[30] (فهو) سقطت من (م) .
[31] انظر: البخاري رقم (5586) ، عن عائشة رضي الله عنها.
[32] انظر: سنن النسائي رقم (3681) ، عن جابر بن عبد الله.
[33] انظر: سنن النسائي رقم (5587) ، عن ابن عمر.
[34] في (م) : (لا شك) .
[35] في (ر) : (ولا) .
[36] (وبيان السنة حجة) سقط من (ر) .