1139/ 6830 - قال أبو عبد الله: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ قال: حَدَّثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ
[1] ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ [2] شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ [3] بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه قَالَ: خطب عمر رضي الله عنه فقال في خطبته: ثُمَّ إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ قَائِلًا مِنْكُمْ يَقُولُ [4] : وَاللهِ لَوْ مَاتَ عُمَرُ بَايَعْتُ فُلاَنًا، فَلاَ يَغْتَرَّنَّ امْرُؤٌ أَنْ يَقُولَ: إِنَّمَا كَانَتْ بَيْعَةُ أَبِي بَكْرٍ فَلْتَةً وَتَمَّتْ؛ أَلَا وَإِنَّهَا قَدْ كَانَتْ كَذَلِكَ، وَلَكِنَّ اللهَ وَقَى شَرَّهَا، وَلَيْسَ فيكُمْ مَنْ تُقْطَعُ الأَعْنَاقُ إِلَيْهِ مِثْلُ أَبِي بَكْرٍ.
وذكر القصَّة إلى أن قال: فتَشَهَّدَ خَطِيبُ الأنصار، فقَالَ: أَمَّا [5] بَعْدُ، فَنَحْنُ أَنْصَارُ اللهِ [6] وَكَتِيبَةُ الإِسْلاَمِ، وَأَنْتُمْ مَعْشَرَ [7] الْمُهَاجِرِينَ رَهْطٌ، وَقَدْ دَفَّتْ دَافَّةٌ مِنْ قَوْمِكُمْ، فَإِذَا هُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يَخْتَزِلُونَا مِنْ أَصْلِنَا، وَأَنْ يَحْضُنُونَا مِنَ الأَمْرِ. فَلَمَّا سَكَتَ أَرَدْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ، وَكُنْتُ زَوَّرْتُ [8] مَقَالَةً أَعْجَبَتْنِي، أُرِيدُ أَنْ أُقَدِّمَهَا بَيْنَ يَدَيْ أَبِي بَكْرٍ، وَكُنْتُ أُدَارِي مِنْهُ بَعْضَ الْحَدِّ، فَلَمَّا أَرَدْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: عَلَى رِسْلِكَ. فَكَرِهْتُ أَنْ أُغْضِبَهُ، فَتَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ، فَكَانَ هُوَ أَحْلَمَ [9] مِنِّي وَأَوْقَرَ، وَاللهِ مَا تَرَكَ مِنْ كَلِمَةٍ أَعْجَبَتْنِي فِي تَزْوِيرِي، إلَّا قَالَ فِي بَدِيهَتِهِ [10] مِثْلَهَا أَوْ أَفْضَلَ مِنْهَا، حَتَّى سَكَتَ.
وساق الكلام إلى أن قال: فَقَالَ قَائِلُ الأَنْصَارِ: أَنَا جُذَيْلُهَا الْمُحَكَّكُ، وَعُذَيْقُهَا الْمُرَجَّبُ [11] ، مِنَّا أَمِيرٌ، وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ، يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ. فَكَثُرَ اللَّغَطُ، وَارْتَفَعَتِ الأَصْوَاتُ، حَتَّى فَرِقْتُ مِنَ الاِخْتِلاَفِ، فَقُلْتُ: ابْسُطْ يَدَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ، فَبَسَطَ يَدَهُ فَبَايَعْتُهُ، وَبَايَعَهُ الْمُهَاجِرُونَ، ثُمَّ بَايَعَتْهُ الأَنْصَارُ.
وذكر الحديث إلى أن قال: فَمَنْ بَايَعَ رَجُلًا من غَيْرِ مَشُورَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ
ص 764
فَلاَ يُتَابَعُ [12] هُوَ وَلاَ الَّذِي بَايَعَهُ، تَغِرَّةً أَنْ يُقْتَلا.
قوله: (إنَّما كانت بَيْعَةُ أبي بكر فَلْتَةً) فإنَّ معنى الفَلْتَةِ: الفُجَاءَة.
وقوله: (وليس فيكم مَنْ تُقْطَعُ الأعناقُ إليه مثلُ أبي بكر) يُريدُ: أنَّ السَّابقَ منكم الذي لا يَلْحَقُ شَأْوَه في الفَضْل أحدٌ لا يكونُ مِثْلًا لأبي بكر؛ لأنَّه قد أَبَدَّ [13] على كُلِّ سابقٍ، فلذلك مَضَتْ بيعتُه على حَالٍ فُجَاءَةً، ووَقَى اللهُ شَرَّها، فلا يَطْمَعَنْ بعدَه [14] أحدٌ [15] في مِثْل ذلك، ولا يُبَايَعَنْ إلَّا عن مَشُورةٍ واتِّفاقِ رأيٍ.
وقوله: (تَغِرَّة [16] أن يُقْتَلا) معناه: حَذَرًا من القتل، وهو مصدرُ قولك: غَرَّرْتُ بالرجل تَغْرِيرًا وتَغِرَّةً؛ يُريد: أنَّه إذا فَعَلَ ذلك فقد [17] غَرَّرَ بنفسه وبصاحبه، وعَرَّضَها [18] للقتل.
وسُئل سَعْدُ [19] بنُ إبراهيم عن تفسير التَّغِرَّة، فقال: عُقُوبتهما أن لاَ يُؤْمَّرَ واحدٌ منهما.
وقوله: (وأنتم مَعْشَرَ المهاجرين رَهْطٌ، وقد دَفَّتْ [20] دافَّةٌ [21] من قومكم) يُريدُ: أنَّكم قومٌ طَرَأَةٌ وغُرَبَاءُ أقبلتم من مكَّةَ إلينا.
و (الدَّافَّةُ) : الرِّفْقَةُ يَدِفُّون في سَيْرِهم، والدَّفِيفُ [22] : السَّيْرُ ليس بالشديد.
و (الرَّهْطُ) : ما بين الثلاثة إلى العشرة، أي: إنَّ عَدَدَكُم بالإضافة إلى الأنصار عَدَدٌ قليلٌ [23] .
وقوله: (يُريدُون أن يَحْضِنُونَا من الأَمْر) أي: يُخْرِجُونَا من الأمر، وأن يَسْتأثِرُوا به علينا. يُقال: حَضَنُتُ الرجلَ من الأمر؛ إذا اقتطعتَه دُونَه، وعَزَلْتَه عنه.
وقوله: (وكنتُ زَوَّرْتُ مَقَالةً) يعني: هَيَّأْتُها وحَسَّنْتُها.
وقوله: (أَنَا جُذَيْلُها المُحَكَّك وعُذَيْقُها المُرَجَّب [24] ) فإنَّ الجُذَيْل تَصْغيرُ الجَذْل، وهو عُودٌ يُنْصَبُ للإبل الجَرْبَى، تحْتَكُّ به من الجَرَب، فأرادَ أنَّه يُسْتَشْفَى برأيه، كما [25] تُسْتَشْفَى الإبل بالاحتكاك بذلك [26] العود [27] .
و (العُذَيق) : تصغيرُ العَذْق، والعَذْقُ [28] ، بفتح العين: النخلة، وهي إذا كانت كَرِيمةً فَمَالَتْ بَنَوْا لَها من جَانِبِها المائل [29] بناءً رفيعًا يَعْمَدُهَا؛ لئلاَّ تَسقُطَ،
ص 765
فذلك [30] التَّرْجيب [31] .
وقوله: (مِنَّا أَمِيرٌ ومنكم أمِيرٌ) فإنَّما قال ذلك؛ لأنَّ أكثرَ العَربِ لم تكن تَعْرِفُ الإمَارةَ، إنَّما كانت تَعْرِفُ السِّيادةُ، يكونُ لكلِّ قبيلةٍ سَيِّدٌ، فلا تُطِيعُ إلَّا سَيِّدَ قَوْمها، فجرى هذا القولُ منه علَى العادة [32] المَعْهُودَةِ لهم في ذلك، حين لم يُعْرَفْ أنَّ حُكْمَ الإسلام بخلافه، فَلَمَّا بَلَغَه قولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «الخِلاَفَةُ في قُرَيش» [33] . أَمْسَكَ عن ذلك، فأقبلت الجماعةُ إلى البَيْعَةِ، وبَذَلُوا من أنفسهم الطَّاعةُ.
[1] في (ف) : (سعيد) .
[2] قوله: (عن ابن) : سقط من الأصل، والمثبت من الفروع.
[3] في (أ) : (عبد الله) .
[4] (يقول) سقطت من (م) .
[5] في (م) : (إنما) .
[6] في (ر) و (ف) و (م) : (فنحن الأنصار) .
[7] في (أ) : (معاشر) .
[8] في (ر) و (ف) : (زويت) .
[9] في (ف) و (م) : (أحكم) .
[10] في (أ) : (في يد وبديهة) .
[11] في (م) : (الموجب) .
[12] في الأصل (نبايع) ، والمثبت من الفروع
[13] في (أ) : (أثر) .
[14] (بعده) سقطت من (ر) و (ف) .
[15] في (م) : (أحدكم بعده) .
[16] في (أ) : (لا تغرة) .
[17] في (ر) و (ف) : (بعد) .
[18] في (ر) و (ف) و (م) : (وعرضهما) .
[19] في (م) : (سعيد)
[20] في (م) : (دف) .
[21] أقحم في (م) هنا: (بين الثلاثة إلى العشرة رهط وقد دف دافة) .
[22] في (م) : (والدف) .
[23] ترتيب العبارات في الفروع مختلف وفيها زيادة: (يريد أنكم نفر يسير بمنزلة الرهب وهو ما بين ... وقد دف دافة من قومكم يريد أنكم قوم طرأة ... والداف الرفقة ... بالشديد) ..
[24] في (م) : (الموجب) .
[25] قوله: (يستشفى برايه كما) سقط من الأصل، والمثبت من الفروع.
[26] من هنا تبدأ الورقة (217) من (ط) ؟؟
[27] (العود) سقطت من (م) .
[28] (والعذق) سقطت من الفروع.
[29] (جانبها المائل) سقطت من (ط) .
[30] في (أ) : (فكذلك) وفي (ر) و (ف) : (بذلك) .
[31] في (ر) و (ف) : (التوجيب) .
[32] (العادة) سقطت من (م) .
[33] انظر: مسند الإمام أحمد (4/ 185) ، عن عتبة بن عبد وعمدة القاري (19/ 290)