فهرس الكتاب
109/ 398 - قال أبو عبد الله: حدَّثنا إِسْحاقُ بْنُ نَصْرٍ، قالَ: حدَّثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قال: أخبَرنا ابْنُ جُرَيْجٍ، عن عَطاءٍ:
سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، قالَ: لَمَّا دَخَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم البَيْتَ، دَعا فِي نَواحِيهِ كُلِّها، وَلَمْ يُصَلِّ حَتَّىَ خَرَجَ مِنْهُ، فَلَمَّا خَرَجَ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ فِي قُِبَُلِ الكَعْبَةِ
[1] ، وَقالَ: «هَذِهِ القِبْلَةُ» .
قوله: «هذه القبلة» [2] يريد_ والله أعلم_: أنَّ أمرَ القبلة قد استقرَّ على هذا البيت، لا يتوَجَّه للصَّلاة إلى غيره، وكانوا يستقبلون قبل ذلك بيت المقدس، ثمَّ نُسخ ذلك، وحُوِّلَت القبلةُ إلى الكعبة، كأنَّه يقول: إنَّ [3] القبلة لا تُنسَخُ بعد اليوم، فصلُّوا إلى الكعبة أبدًا، فهي قبلتكم.
وقد يحتمل ذلك أيضًا وجهًا آخر، وهو أن يكون قد [4] علَّمهم السُّنَّة في مقام الإمام واستقباله [5] البيتَ من وجه الكعبة، دون أركانها وجوانبها الثلاثة؛ وإن [6] كانت الصلاةُ إليها من جميع جهاتها مُجزئةً [7] .
وفيه معنىً آخر: وهو أن يكونَ قد دَلَّ بهذا القول على أنَّ حُكم مَن شاهد البيت وعاينه خلافُ حُكم الغائب عنه فيما يلزمه من مواجهته عيانًا، دون الاقتصار على التآخي لمصادفته استدلالًا واجتهادًا، فيَلْزَمُ المُعاينَ للبيت أن لا يقتصر على النِّيَّة في التَّوجُّه إليها فِعْلَ الغائب عنها دون أن يُدركها حِسًّا ويُثبتَه
ص 113
نظرًا، كما كان الواحد مِمَّن أدركَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وشاهد حَضرته، يلزمُه النَّظر إليه حتَّى يُثبتَ عينه، فيكون إيمانُه به عن حِسٍّ وعيانٍ وإحاطة علمٍ وإتقانٍ [8] ، ولا [9] يقتصر من ذلك على [10] معرفة الاسم والصِّفة، كما يكتفي به الغائب عنه، وذلك فائدة قوله: «هذه القبلةُ» وإن كانوا قد [11] عرفوها قديمًا، وأحاطُوا بها معرفةً وعلمًا.
وقد قال هذا المعنى أصحابُ الشافعيِّ [12] _ رحمه الله _: لو دَخَل رجلٌ المسجدَ الحرامَ في ليلة مُظلمة لا يتبيَّنُ فيها [13] الأشخاصَ، لم يكن له أن يُصَلِّيَ حتَّى يَستبينَ شَخْصَ الكعبة؛ لأنَّه شاهدٌ، فلا يجُوز [14] له الصَّلاةُ [15] بالاستِدْلال.
فأمَّا قول ابن عبَّاس: «إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يصل في الكعبة» ؛ فقد ثبت من رواية بلال _وقد كان رسول صلى الله عليه وسلم أدخله معه الكعبة_ أنَّه صلَّى فيها [16] ، وقولُ المُثبتِ أولَى من قول النافي.
[1] قوله: (في قبل القبلة) سقط من (ط) .
[2] (قوله: هذه القبلة) سقط من (ط) .
[3] (إن) سقطت من (ط) .
[4] في (ط) : (فيه) .
[5] في النسخ الفروع: (واستقبال) .
[6] في (م) : (ومن) .
[7] في (ط) : (تجزئه) وفي الفروع: (جائزة) .
[8] في (ط) : (وإيقان) .
[9] (ولا) : سقط من (ط)
[10] في (أ) و (ف) : (عن) .
[11] (قد) : سقط من (ط)
[12] في النسخ الفروع: (قال الشافعي) .
[13] في (ط) : (فيه) .
[14] في (ط) : (تجوز) بتاء المضارعة وهما صواب.
[15] في النسخ الفروع: (فلا يصلي) .
[16] وانظر: البخاري، عن ابن عباس رقم (379) .