1152/ 7017 - قال أبو عبد الله: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الصَبَّاحٍ
[1] ، قال: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ [2] ، قال: سَمِعْتُ عَوْفًا، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «إِذَا اقْتَرَبَ الزَّمَانُ لَمْ تَكَدْ تَكْذِبُ رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ، وَرُؤْيَا الْمُؤْمِنِ [3] جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ»
وما كان من النبوَّة [4] فإنَّه لا يكذب. قَالَ مُحَمَّدٌ: وَأَنَا أَقُولُ هَذِهِ. قَالَ [5] : وَكَانَ يُقَالُ [6] : الرُّؤْيَا ثَلاَثٌ: حَدِيثُ النَّفْسِ [7] ، وَتَخْوِيفُ الشَّيْطَانِ، وَبُشْرَى مِنَ اللهِ، فَمَنْ رَأَى شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلا يَقُصُّهُ عَلَى أَحَدٍ، وَلْيَقُمْ فَلْيُصَلِّ. قَالَ: وَكَانَ
ص 773
يُكْرَهُ الْغُلُّ في النَّوْمِ، وَكَانَ يُعْجِبُهُمُ الْقَيْدُ، ويقال [8] : القيد [9] ثَبَاتٌ فِي الدِّينِ.
وَرَوَاه قَتَادَةُ، وَيُونُسُ، وَهِشَامٌ، وَأَبُو هِلاَلٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَأَدْرَجَهُ بَعْضُهُمْ كُلَّهُ فِي الْحَدِيثِ، وَحَدِيثُ عَوْفٍ أَبْيَنُ. وَقَالَ يُونُسُ: لا أَحْسِبُهُ إلَّا عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي الْقَيْدِ.
قوله: (إذا اقتربَ الزمان) فيه قولان:
أحدُهما: أن يكونَ معناه تَقَارُبَ زَمَانِ الليل والنهار وَقْتَ استوائهما أَيَّامَ الرَّبيع، وذلك وَقْتُ اعتدالِ الطبائع الأربع غالِبًا، وكذلك هو في الخريف [10] ، والمُعَبِّرون يقولون: أَصْدَقُ الرُّؤْيَا مَا كانَ وَقْتَ [11] اعْتِدالِ الَّليلِ والنَّهارِ، وإدْراكِ الثِّمار [12] ويَنْعِها.
والوَجْه الآخَرُ: أنَّ اقترابَ الزَّمانِ [13] انتهاءُ أمَدِه [14] إذا دَنَا قِيَامُ السَّاعة.
وأمَّا قوله: (رُؤْيَا المُؤمِنُ جزْءٌ من سِتَّةٍ وأربعين جُزْءًا من النُّبُوَّة) فقد كان بعضُ أَهْلِ العلم يقول في تأويله قولًا لا يكادُ يَتَحقَّق من طريق البرهان، قال: وذلك أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قد بقي منذ [15] أوَّل ما بُدئَ بالوَحْي إلى أن تُوفِّي ثلاثًا وعشرين سنةً، أقام منها بمكَّة ثلاثَ عَشْرة سنةً، وبالمدينة عَشْرَ سِنِينَ، وكان يُوحَى إليه في مَنَامِه في أَوَّل الأمْرِ بِمَكَّةَ سِتَّةَ أشهر، وهي نِصفُ سنة، فصارت هذه المُدَّةُ جُزْءًا من سِتَّةٍ وأربعين جُزْءًا من أجزاءٍ مُدَّةٍ زَمَانٍ النُّبوَة.
قلت [16] : وهذا وإن كان وَجْهًا قد تَحتَمِله قِسْمَةُ [17] الحِسَابِ والعَدَدِ، فإنَّ أَوَّلَ مَا يَجبُ من الشرط [18] فيه [19] أن يَثْبُتَ ما قاله من ذلك خَبَرًا ورِوايَةً، ولم نَسْمَعْ فيه خَبَرًا، ولا ذَكرَ قائلُ هذه المقالة فيما بَلَغَنِي عنه في ذلك أَثَرًا، فهو كأنَّه ظَنٌّ وحُسْبَانٌ، والظَّنُّ لا يغني من الحَقِّ شيئًا.
ولئن [20] كانت هذه المُدَّة مَحْسُوبَةً [21] من أجزاء النُّبُوَّة على ما ذُهِبَ إليه من هذه القِسْمة، لقد كان يجبُ أن تُلْحَقَ بها سَائرُ الأوقات التي كان النبي صلى الله عليه وسلم [22] يُوحَى إليه في مَنَامِه في تَضَاعيف
ص 774
أيَّام حياته، وأن تُلْتقَطَ، فَتُلَفَّقَ [23] وتُزَادَ في أَصْل الحساب، وإذا صِرْنَا [24] إلى هذه القَضِيَّة [25] بطلت هذه القِسْمة، وسقط هذا الحسابُ من أصله.
وقد ثَبَتَ عن رسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم في عِدَّة أحاديث من رواياتٍ كثيرة أنَّه كان يَرَى الرُّؤَى [26] المختلفة في أُمُور الشريعة، ومُهِمَّات أسباب الدِّين، فَيَقُصُّها على أصحابه، وكان يقول لهم [27] : إذا أصبحَ: «مَنْ رأَى منكم رُؤْيَا.» [28] فَيَقُصُّونها عليه [29] .
وقال لهم: «أُرِيتُ ليلةَ القَدْر، فَخَرَجْتُ لأُخْبِرَكم بها، فَتَلاَحَى [30] رجلان في المَسْجِدْ، فأنْسِيتُها، فَاطْلُبوها في الوِتْرِ من العَشْرِ الأواخرِ من الشهر» [31] .
وقال [32] يومُ أُحُدٍ: «رَأَيْتُ في سَيْفي ثُلْمَةً، وكأنِّي [33] مُرْدِفٌ كَبْشًا.» فتأوَّل ثُلْمَةَ السَّيفِ: أنَّه يُصَابُ في أصحابه، وأنَّه يُقْتَلُ كَبْشُ القومِ [34] ، فكان أُبَيَّ بنَ خلف.
وقال: «رأيتُ كأنِّي أَنْزِعَ على [35] قليب بِدَلْو بَكْرة، فجاء أبو بكر، فأخَذَ مِنِّي، فَنَزَعَ نَزْعًا ضَعِيفًا [36] ، واللهُ يَغْفِرُ له، ثمَّ جاء عُمَرُ، فاسْتحالَتْ في يَدِهِ غَرْبًا، فلم أَرَ عَبْقَرِيًا يَفْرِي فَرِيَّه.» [37] فكان ذلك مُتَأَوَّلًا على خِلاَفَتِهما.
وقال حين سُحِرَ: «رأيتُ رجلين أتياني، فقعدَ أحدُهما عند رأسي، وقَعدَ [38] الآخَرُ عند رِجْليَّ [39] . فقال أحدُهما لصاحبه: مَا بَالُ الرجل؟ قال: مَطْبُوبٌ. قال: ومَنْ طَبَّهُ؟ قال: لَبِيد بن الأعصم. قال: فَبِمَاذا؟ قال: في [40] مُشْطٍ ومُشَاقَة، وجُفِّ طَلْعَة، في بئر ذَرْوانَ» فجاءهَا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم. فاسْتَخْرَجَها، في أشياءَ كثيرة العَدَد [41] .
وكان بعضُ أُمُور الشريعة عن رُؤْيَا أُرِيها بعضُ أصحابه، كَرُؤْيَا عمر بن الخطَّاب، وعبد الله بن زيد الأذانَ في منامهما [42] . فكان ذلك بمنزلة الوَحْي إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، ولذلك صَارَ شريعةً ودينًا.
ومنها: رُؤيَا رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أَشيَاءَ ذات عدد ذكرها في الحديث الطويل الذي يرويه سمرة بن جندب، وقد ذكرناه على أثر هذا الحديث [43] ، وهذه كلُّها [44] بعد الهجرة.
وأعلى من هذه كلِّها ما نَطقَ به
ص 775
الكتابُ [45] مِنْ رُؤيا الفتح في قوله: {لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ} [الفتح: 27] الآية [46] . وقال: {وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ} الآية [الإسراء: 60] [47] .
فَدَلَّ مَا ذَكَرْنَاه من هذا، ومَا تَرَكْناهُ من هذا الباب على ضَعْف هذا التأويل.
ونقول [48] : إنَّ هذا الخَبَرَ صَحِيحٌ، وجُملة ما فيه حَقٌّ، وليس كُلُّ مَا يَخْفَى [49] علينا عِلَّتُه لا تَلْزَمُنا حُجَّتُه، وقد نُرَى [50] أعدادَ ركَعَاتِ الصَّلوات [51] ، وأيَّامَ الصِّيام، ورَمْيَ الجِمَارِ مَحْصُورَةً في حِسَابٍ معلوم [52] ، وليس يُمكنُنا أن نَصِلَ من [53] عِلْمِها إلى أَمْرٍ يُوجِبُ حَصْرَها تحت هذه الأعداد، دُون ما هو أَكْثَرَ منها [54] أو أَقَلَّ، فلم يكن ذهَابُنَا عن معرفة ذلك قَادِحًا في [55] مُوجِبِ الاعتقاد مِنَّا في اللَّازِم من أمرها، وهذا كقوله صلى الله عليه وسلم في حديث آخِرِ: «إنَّ [56] الهَدْيَ الصَّالِحَ والسَّمْتَ الصَّالِحَ [57] جُزْءٌ من خَمْسَةٍ وعِشْرينَ [58] جُزْءًا من النُّبُوَّة» [59] .
وتَفْصيلُ هذا العَددِ، وحَصْرِ النُّبُوَّة به مُتَعَذِّرٌ، لا يمكن الوُقوفُ عليه، وإنَّما [60] فيه أنَّ [61] هاتَيْنِ الخَصْلَتَين مِنْ هَدْي الأنبياء وشمائلهم، ومن جُملة شِيَمِهم وأخلاقِهم [62] ، فكذلك الأمرُ في الرُّؤْيا أنَّها [63] جُزْءٌ من سِتَّة وأربعين جُزْءًا من النُّبُوَّة.
ومعنى الحديث: تَحقيقُ أَمْرِ الرُّؤْيا [64] ، وأنَّها مِمَّا كان الأنبياءُ يُثْبِتُونه ويُحَقِّقُونه [65] ، وأنَّها كانت [66] جُزْءًا من أجزاء العِلْم الذي كان يأتيهم، والأنباء التي [67] كان [68] يَنزِلُ بها الوَحْيَ عليهم. واللهُ أعلم [69] .
[1] في (أ) : (صالح) وفي (ر) و (ف) و (م) : (صباح) .
[2] في الأصل و (أ) و (ر) و (ف) : (معمر) والمثبت من (م) .
[3] (ورؤيا المؤمن) سقطت من (ف) .
[4] (وما كان من النبوة) سقطت من (ر) و (ف) و (م) .
[5] (قال) سقطت من (ر) و (ف) .
[6] في (ر) و (ف) : (يقول) .
[7] (النفس) سقطت من (ف) .
[8] في (م) : (ويقولون) .
[9] قوله: (ويقال القيد) سقط من الأصل والمثبت من الفروع.
[10] في (ر) و (ف) : (الحديث) .
[11] (وقت) سقطت من (م) .
[12] قوله: (وإدراك الثمار) سقط من الأصل، والمثبت من الفروع.
[13] في (ف) : (النهار) .
[14] في (ر) و (ف) : (انتهى أمره) .
[15] في (ر) و (ف) : (قد فني من عمره) .
[16] (قلت) سقطت من (م) .
[17] في (أ) : (فسد) .
[18] قوله: (من الشرط) زيادة من الفروع.
[19] (فيه) سقطت من (ر) و (ف) .
[20] في (ر) : (ولو) .
[21] في (أ) و (ر) و (ف) : (المحسوبة) .
[22] قوله: (النبي صلى الله عليه وسلم) زيادة من (ر) .
[23] في (أ) : (ملفقة) وسقطت من (م)
[24] في (أ) : (صبونا) .
[25] في (أ) : (العصبة) .
[26] في الفروع: (الرؤيا) .
[27] (لهم) : سقطت من (ر) و (ف) و (م)
[28] انظر: البخاري رقم (1386) ، عن سمرة بن جندب
[29] في (ر) : (علي) .
[30] قوله: (فتلاَحَى رجلان) ، يريد، تَنَازَعَا وتَخَاصَمَا وتشاتما. يقال: لَحَا الرجلَ يَلْحَاهُ لَحْيًا: لاَمَه وشتمه وعَنَّفه، وتَلاَحُوا، تنازعُوا. (اللسان _ لحا _)
[31] انظر: البخاري رقم (49) ، عن عبادة بن الصامت
[32] زاد في (أ) : (في حديث آخر) .
[33] في (أ) و (م) : (ورأيت كأني) وفي (ر) و (ف) : (ورأيت أني) .
[34] انظر: مسند الإمام أحمد (1/ 271) ، عن ابن عباس
[35] في (أ) : (عن) .
[36] في (ر) و (ف) : (خفيفًا) .
[37] انظر البخاري رقم (3682) ، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما
[38] (قعد) سقطت من (أ) و (ف) .
[39] قوله: (أتياني .. عند رجلي) سقط من (ر) .
[40] (في) سقطت من (ر) و (ف) .
[41] انظر: البخاري رقم (3268) ، عن عائشة.
[42] انظر: سنن ابن ماجة رقم (706 - 707) ، عن محمد بن عبد الله بن زيد، عن أبيه
[43] قوله: (الطويل الذي .... الحديث) سقط من الأصل والمثبت من الفروع، وزاد في (ر) و (ف) آخره: (في) .
[44] قوله: (كلها) زيادة من الفروع.
[45] زاد في (م) : (العزيز) .
[46] (الآية) سقطت من (أ) .
[47] (الآية) سقطت من (ر) و (م) .
[48] في (أ) : (ويروى) وفي (ر) و (ف) و (م) : (ويقوي) .
[49] من هنا تبدأ الورقة (220) من (ط) ؟؟؟.
[50] في (ر) و (ف) : (قرأ) وفي (م) : (رأينا) .
[51] في (ر) و (ف) : (الصلاة) .
[52] (معلوم) سقطت من (ط) .
[53] في (م) : (إلى) .
[54] (منها) سقطت من (ر) و (ف) .
[55] في (أ) : (من) .
[56] (إن) سقطت من (ر) .
[57] (والسمت الصالح) سقطت من (ف) .
[58] في الأصل: (عشر) ، والمثبت من الفروع.
[59] انظر: سنن أبي داود رقم (4776) ، عن ابن عباس
[60] زاد في (أ) : (هو) .
[61] في (أ) : (أنها) وفي (ر) : (من) .
[62] في (أ) : (واختلافهم) .
[63] في الأصل و (ط) : (أنَّه) ، والمثبت من الفروع.
[64] في (ف) : (الدنيا) .
[65] في (ف) (ويتحققونه) وفي (م) : (ويحقونه) ، وهو تحريف
[66] قوله: (الأنبياء يثبتونه ... كانت) سقط من (ا) .
[67] في (ر) و (ف) : (الذي) ..
[68] في (م) : (كانت) .
[69] (والله أعلم) سقطت من (ط) .