فهرس الكتاب

الصفحة 245 من 2203

124/ 482 - قال أبو عبد الله: حدَّثنا إِسْحاقُ، قالَ: حدَّثنا ابْنُ شُمَيْلٍ

[1] ، قال: حدَّثنا ابْنُ عَوْنٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ:

عن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه،

ص 125

قالَ: صَلَّىَ بِنا [2] رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِحْدَىَ صَلاتَيِ العَشِيِّ [3] ، قالَ: فَصَلَّىَ بِنا رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ، فَقامَ إلىَ خَشَبَةٍ مَعْرُوضَةٍ [4] فِي المَسْجِدِ، فاتَّكَأَ عَلَيْها كَأَنَّهُ غَضْبانُ، وَوَضَعَ يَدَهُ اليُمْنَىَ علىَ اليُسْرَىَ، وشَبَّكَ بَيْنَ أَصابِعِهِ، وخَرَجَتِ السَّرَعانُ مِنْ أَبْوابِ المَسْجِدِ، قالوا قُصِرَتِ الصَّلاةُ. وفِي القَوْمِ أبو بَكْرٍ وعُمَرُ، فَهاباه [5] أَنْ يُكَلِّماهُ، وَفِي القَوْمِ رَجُلٌ فِي يَدَيْهِ [6] طُولٌ، يُقالَ لَهُ: ذُو اليَدَيْنِ. قالَ [7] : يا رَسُولَ اللهِ، أَنَسِيتَ أَمْ قَصُرَتِ الصَّلاةُ؟ قالَ: «لَمْ أَنْسَ، وَلَمْ تُقْصَرْ [8] » . فقالَ: «أَكَما [9] يَقُولُ ذُو اليَدَيْنِ؟» [10] . فقالوا: نَعَمْ. فَتَقَدَّمَ فَصَلَّىَ ما تَرَكَ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَاسَهُ وَكَبَّرَ، ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَاسَهُ وَكَبَّرَ [11] . قال: ونُبِّئْتُ أَنَّ عِمْرانَ بْنَ حُصَيْنٍ قالَ: ثُمَّ سَلَّمَ.

(سَرعَانُ [12] الناس) : هم الذين يُقبِلون في الأمر بسُرعة، وإنَّما أراد به عَوامَّ الناس الذين يُسرعون الانصراف عن الصَّلاة، ولا يَلبثونَ قُعودًا [13] للذِّكر بعدها.

وفي الحديث دليلٌ على أنَّ [14] مَن قال ناسيًا: لم أفعل كذا [15] ؛ وكان قد فعله أنَّه غيرُ كاذبٍ.

وقولُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم: «لم أنسَ ولم تُقصر» يَتَضمَّن أمرين:

أحدهما: حُكمٌ في الدِّين، وهو قوله: «لم تُقصر» ؛ عَصَمه اللهُ عز وجل من الغَلَط فيه؛ لئلَّا يَعْرِض في أمر [16] الدِّين إشكالٌ.

والآخر: حكاية عن فعل نَفسه، وقد جرى الخطأ فيه، إذ [17] كان صلى الله عليه وسلم غيرَ مَعصوم عَمَّا يُدفع إليه البَشرُ من الخَطأ والنِّسيان، وفي حكم الدين أنَّ الإثم [18] موضوعٌ عن النَّاسي، وتلافي الأمر في المنسيِّ سَهلٌ غير مُتعذَّرٍ ولا فائتٍ.

وفيه من الفقه أنَّ من تكلَّم ناسيًا في صلاته [19] لم تُفسد صلاتُه، وكلامُ رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم في هذه الصلاة إنَّما جَرَى منه

ص 126

وعندَه في نفسه أنَّه قد أكمل صلاته، فتكلَّم على أنَّه خارجٌ من الصلاة [20] ، وسبيله سَبيل الناسِي [21] لا فرق بينهما.

وأمَّا ذو اليدين، ومُراجعته النبيَّ صلى الله عليه وسلم فأمره مُتأوَّلٌ على هذا المعنى أيضًا؛ لأنَّ [22] الزَّمانَ كان زَمَانَ نَسخٍ وتبديل وزيادة في الصلاة [23] ونُقصان، فجرى منه الكلامُ في حال موهومٍ فيها أنَّه خارجٌ من [24] الصلاة؛ لإمكانِ وُقوع النَّسخ، ومجيء القصر بعد الإتمام.

وأمَّا كلام أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ومن معهما من القوم فإنَّه من حيث [25] كان واجبًا عليهم [26] إجابة النبيِّ صلى الله عليه وسلم إذا دعاهم؛ لقوله تعالى [27] : {اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ} [28] [الأنفال: 24] لم يَقْدَحْ ذلك في صلاتهم ولم يُفسدها عليهم، وقد رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّه مرَّ على أبي سَعيد بن المُعَلَّى، وهو يُصَلِّي، فدعاه فلم يُجبه، ثمَّ اعتذر إليه، وقال: كُنت في الصَّلاة. فقال له [29] صلى الله عليه وسلم: «ألم تسمع الله يقول {اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ} » [الأنفال: 24] [30] فدلَّ على أنَّ الكلام إذا كان استجابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم غَيرَ مُفسدٍ لها، وأنَّه ليس من نوع الكلام المنسوخ في الصلاة.

وقد زعم قومٌ أنَّ هذا إنَّما كان قبل نَسخ الكلام في الصلاة، وهذا القولُ غلطٌ؛ لأنَّ نَسْخَ الكلام في الصلاة إنَّما وقع بعد الهِجرة بمُدَّةٍ يسيرة، وأبو هريرة راوي [31] هذا الحديث مُتأخِّر الإسلام، وقد رواه عُمران بن حُصين أيضًا كذلك [32] .

وفي تسمية النبيِّ صلى الله عليه وسلم الرَّجل: «ذا [33] اليدين» دليلٌ على [34] جواز التَّلقيب [35] الذي سبيله التَّعريف، دُون القول المكروه الذي يجري مَجرى الشَّيْنِ والتَّهجين، وقد روى أنس أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يقول له: «يا ذا الأُذنين» [36] ،

ص 127

ويشبه أن يكون المعنى [37] في ذلك [38] التَّنبيه [39] له [40] على حسن الاستماع وجودة الوعي للقول.

وفي الحديث [41] دليل على أنَّه إذا سَهَا في صَلاةٍ واحدةٍ [42] مَرَّات [43] أجزأته عن جميعها سَجدتان؛ وذلك أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم سَهَا عن الرَّكعتين [44] ، وتكلَّم ناسيًا، ثمَّ اقتصر على السجدتين، فلم يَزِد عليهما.

وفي تشبيكه صلى الله عليه وسلم بين أصابعه في المسجد دليلٌ على أنَّ خَبَرَ كَعب بن عُجرَة في نهيه الخارجَ إلى الصلاة عن التَّشبيك [45] إنَّما هو على ما قد [46] تأوَّلناه من الاحتباء [47] بتشبيك الأصابع الجالب لِلنَّوْم الذي يَنقُض عليه طُهره [48] ، وإن كان على غير ذلك فهو مُباحٌ غيرُ مَحظورٍ، والله أعلم [49] .

[1] في (ط) : (ابن شهل) تصحيفًا.

[2] في (ط) : (قال صلى الله عليه وسلم بنا قال) .

[3] في (ر) : (العشاء) .

[4] (معروضة) تكررت في (ر) .

[5] في (ر) و (ف) (م) : (فهابا) .

[6] في (أ) : (في إحدى يديه) .

[7] في (م) : (فقال له) .

[8] في (ط) : (ولم أقصر) .

[9] في (ف) : (كما) .

[10] قوله: (قال يا رسول الله .. ذو اليدين) سقط من (ر) وبيض له الناسخ.

[11] قوله (ثم كبر وسجد ... وكبر) سقط من (م) .

[12] في (ط) : (شرعان) بالشين.

[13] في (ط) : (معودًا) .

[14] (أن) سقطت من (ط) .

[15] في (م) : (كذا وكذا) .

[16] في النسخ الفروع: (أمور) .

[17] في (ط) : (إذا) بزيادة الألف.

[18] في (أ) : (من الخطأ والنسيان في حكم الدين لأن الإثم) .

[19] في النسخ الفروع: (في صلاته ناسيًا) .

[20] في النسخ الفروع: (خارج عنها) .

[21] في الأصل و (م) : (الناس) والمثبت من (ط) .

[22] في (ط) : (إلا أن) .

[23] في النسخ الفروع: (فيها) .

[24] في النسخ الفروع: (عن) .

[25] في النسخ الفروع: (فإنه من جهة أنه) .

[26] في (أ) : (عليهما) .

[27] في (م) : (لقوله عن رجل) محرفًا من عز و جل.

[28] في (ط) : (كما يحييكم) محرفًا.

[29] (له) سقط من (ط) .

[30] (لما يحييكم) : ليست في (ط) وانظر: البخاري رقم (4645) عن حفص بن عاصم.

[31] في (م) : (روى) .

[32] انظر: سنن أبي داود رقم (1039) ، عن عمران بن حصين.

[33] في (أ) : (ذو) .

[34] (على) سقط من (ط) .

[35] في (أ) : (اللقب) وفي (ر) : (تلقيب) .

[36] في (م) يا ذا اليدين) محرفًا. وانظر: المسند لابن حنبل 3/ 117.

[37] في (ط) : (أن يكون ذلك المعنى) .

[38] في النسخ الفروع: (فيه) .

[39] في (ر) : (التشبيه) .

[40] قوله: (له) زيادة من (ط) .

[41] في (ط) : (وفي ذلك) وفي الفروع: (وفيه) .

[42] في النسخ الفروع: (في الصلاة) .

[43] (مرات) سقطت من (ط) .

[44] في النسخ الفروع: (لأنه سها فيها) .

[45] انظر: الترمذي رقم (386) ، عن كعب بن عجرة.

[46] (قد) : سقط من (ط) .

[47] في (ط) : (الاختباء) بالخاء.

[48] في (ط) : (طهوره) .

[49] (والله أعلم) لم تذكر في (ط) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت