فهرس الكتاب

الصفحة 267 من 2203

135/ 554 - قال أبو عبد الله: حدَّثنا الحُمَيْدِيُّ، قالَ: حدَّثنا مَرْوانُ بْنُ مُعاوِيَةَ، قالَ: حدَّثنا إِسْماعِيلُ، عن قَيْسٍ:

عن جَرِيرٍ

[1] ، قالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فنظر إلى القمر ليلةَ البدرِ [2] فقالَ: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ، كَما تَرَوْنَ هَذا القَمَرَ، لا تضامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لا تُغْلَبُوا علىَ صَلاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها فافْعَلُوا» . ثُمَّ قَرَأَ: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ} [ق: 39] .

قوله: (لا تَضامُّون) يُروى على وجهين:

أحدهما: «تَضَامُّون» مفتوحة التاء، مشدَّدة [3] الميم، وأصله: تَتَضامُّون، فحذفت إحدى التاءين؛ أي: لا يُضامَّ بَعضُكم بعضًا، أي: يزاحم، من الضمِّ [4] ، كما يَفْعَلُه الناسُ في طلب الشيء الخَفي الذي لا يَسهُل دَركُه، فيتزاحمونَ عند ذلك ينظرون إلى جهته، يُضامُّ بَعضُهم بَعضًا [5] ، يُريد: أنَّكم ترون ربَّكم وكُلُّ واحدٍ منكم وادعٌ في مكانه

ص 133

لا يُنازعه رُؤيتَه أحدٌ.

والوجه الآخر: لا تُضامُون من الضَّيم؛ أي: لا يَضِيمُ بَعضكم بعضًا في رُؤيته.

وقوله عقب [6] ذلك: (فإن اسْتَطَعْتُم أن لا تُغْلَبوا على صَلاةٍ قبل طُلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا) يَدُلُّ على أنَّ الرُّؤية قد يُرجَى نَيلُها بالمحافظة على هاتين الصَّلاتين، وَوُقوع [7] الاختصاص لهاتين الصَّلاتين بالذِّكر [8] وإن كانتا كَسَائر الصلوات في مَحَلِ الفَرضِيَّة، كاختصاصِهما بلقب التَّوسُّط بين الصلوات الخمس، وإن كانت كُلُّ واحدةٍ من الصلوات [9] الخَمس مُستَحِقَّةً [10] لهذه الصفة في وضع الحساب.

وقد اختلف أهل العلم في معنى قوله: {حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى} [البقرة: 238] ، وفي تعيين هذه الصَّلاة، فيُروى عن عليٍّ رضي الله عنه، وأبي أيُّوب [11] الأنصاريِّ، وعائشة، وحَفصَةَ رضي الله عنهم أجمعين أنَّها صَلاةُ العَصر.

وقد روى عَبيدة السَّلمانيُّ، عن عليٍّ أنَّه قال: كُنَّا نراها الفَجرَ، حتَّى سَمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يومَ الأحزاب يقول: «شَغَلُونَا عن صلاةِ [12] الوسطى، صلاة العصر، ملأ اللهُ قُبورَهم وأجوافَهم نارًا» [13] .

وروي عن أبي موسى الأشعريِّ، وابن عبَّاس، وجابر بن عبد الله رضي الله عنهم أنَّهم قالوا: هي [14] صلاة الفجر [15] .

وهو قول عَطَاء وغيره من المَكِّيِّين، وإليه مَالَ [16] مالك والشافعيُّ، واحتجُّوا لذلك بقوله تعالى: {وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238] فلمَّا لم تكن صلاة مكتوبةٌ من الصلوات الخمس [17] فيها قُنوتٌ غيرُ الصُّبح عُلم بذلك [18] أنَّها هي دُون غيرها؛ ولأنَّها صلاةٌ تُصلَّى في سوادٍ من الليل وبياضٍ من النهار، فصارت كأنَّها من الليل والنهار [19] .

واستَدَلُّوا على ذلك أيضًا بقوله: {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} [الإسراء: 78] فَخَصَّه بهذا الذِّكر دون غيرها من الصلوات، ولأنَّها [20] مُنفرِدةٌ بوقتها، والظهر والعصر قد تجمعان بعرفة وفي السَّفر، والمغربُ

ص 134

والعشاء تُجمعان بالمُزدلفة وفي السَّفر كذلك، وصلاة الفجر لا تُجمع إلى صلاة، ولا تُضم إليها صلاةٌ [21] ، فهي الوسطى بين الصلوات [22] .

وقد روي أيضًا عن زيد بن ثابت [23] ، ويروى أيضًا عن أسَامة بن زيد [24] أنَّهما قالا: هي صلاة الظُّهر؛ لأنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم يُصلِّي الظُهر بالهجير، فلا يكونُ وراءه إلَّا الصَّفُّ والصَّفَّان، فيكون الناس في قائلتهم وتجارتهم، فنزلت [25] هذه الآية تحريضًا لهم على هذه الصلاة.

وقد رُوي عن قَبيصة بن ذُؤيب أنَّها صلاة المغرب، واحتجوا لها بأنَّها ليست بأقلِّ الصلوات ولا بأكثرها، ولا تُقصر في السَّفر، وأنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يُؤخِّرها عن وقتها، ولم يُعجِّلها، كأنَّ القائل به ذَهَبَ في الوُسطى إلى التوسُّط الذي يكون عدلًا بين الأمرين.

وفضلُ القولين الأوَّلين على القولين الآخرين بيِّنٌ [26] ، وإن كان الصحيح من جملتها هو القولُ الأوَّل؛ لصَّحة الرواية فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو حديث عليٍّ رضي الله عنه.

[1] في (م) : (عن قيس بن جرير) .

[2] قوله: (فنظر إلى القمر ليلة البدر) زيادة من (أ) و (ف) ، إلَّا (البدر) ليست في (ف) .

[3] في (م) : (مشدودة) .

[4] قوله: (أي يزاحم من الضم) زيادة من النسخ الفروع.

[5] (يضام بعضكم بعضًا) سقط من (ط) .

[6] في (أ) و (ف) و (م) : (عقيب) .

[7] في الأصل (وقوع) بإسقاط الواو، والمثبت من (ط) .

[8] في النسخ الفروع: (واختصاصهما بالذكر) .

[9] قوله: (الصلوات) زيادة من (ط) .

[10] في النسخ الفروع: (تصلح) .

[11] في (م) : (وأيوب) .

[12] في (ر) : (الصلاة) .

[13] انظر: البخاري رقم (2931 و 4111 و 4533 و 6396) عن علي رضي الله عنه.

[14] في (ط) : (هم) .

[15] انظر: المصنف لعبد الرزاق رقم (2205) من رواية ابن جريج.

[16] في (ف) : (وبه قال) وفي (أ) و (م) : (وإليه ذهب) .

[17] في النسخ الفروغ: (في الصلوات صلاة) .

[18] في (ر) و (ف) و (م) : (به) .

[19] في (أ) و (ر) و (ف) : (كأنها بينهما) .

[20] في (ط) : (وأنها) .

[21] قوله: (ولا تضم إليها صلاة) سقط من (ط) .

[22] في (ط) : (بين الوسطى) وهو تحريف.

[23] انظر: السنن لأبي داود رقم (411) .

[24] انظر: السنن للبيهقي (1/ 458)

[25] في (ط) : (قرأت) .

[26] (بين) سقطت من (أ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت