14/ 33 - قال أبو عبد الله: حدَّثنا سُلَيْمانُ _هو أَبُو الرَّبِيعِ
[1] _ قَالَ: حدَّثنا إِسْماعِيلُ بنُ جَعْفَرٍ [2] ، قَالَ: حدَّثني نافِعُ بنُ مالِكِ بنِ أَبِي عامِرٍ، أَبُو سُهَيْلٍ، عن أَبِيهِ:
عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «علامة المُنافِقِ ثَلاثٌ: إِذا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذا اؤْتُمِنَ خانَ» .
ظاهر هذا الكلام يُوجب أنَّ مَنْ جمع هذه الخلال المذكورة كان منافقًا، وقد روِّينا [3] عن الحسن أنَّه ذكر هذا الحديث
ص 29
فقال: إنَّ بني يعقوب حدَّثوا فكذبوا، ووعدوا فأخلفوا، وائتمنوا فخانوا [4] .
وهذا القول من رسول الله صلى الله عليه وسلم إنَّما خرج [5] على سبيل الإنذار للمرء المسلم، والتحذير له أن يعتاد هذه الخصالَ [6] ؛ شفقًا أن تُفْضِيَ به إلى النفاق، وليس المعنى أنَّ مَنْ بَدَرَت منه هذه الخلال [7] ، وكان ما يفعل منها على غير وجه [8] الاختيار والاعتياد [9] له أنَّه منافقٌ، وقد جاء في الحديث: «أنَّ التاجرَ فاجرٌ» . [10] وجاء أيضًا: «أنَّ أكثرَ منافقي أمَّتي قُراؤُها» . [11] وإنَّما هو على معنى التحذير [12] من الكذب في البيع، وهو معنى [13] الفجور؛ إذ [14] كانت الباعة قد يكثر منهم التزيُّد [15] والكذب في مدح المتاع، ورُبَّما كذبوا في الشراء ونحوه، ولا يُوجب ذلك أن يكونَ التجَّارُ كلُّهم فُجَّارًا، وكذلك القُرَّاء، قد يكون من بعضهم قِلَّة الإخلاص في العمل [16] ، والتَّبرُّؤ من الرِّياء [17] والسُّمْعة، ولا يُوجب ذلك أن يكونَ مَنْ فعل شيئًا من ذلك من غير اعتياد له منافقًا [18] .
والنفاق ضربان:
أحدهما: أن يُظهرَ صاحبهُ الدِّين، وهو مُسِرٌّ يُبطن الكفرَ، وعلى هذا كانوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والضرب الآخر منه: ترْكُ المحافظة على أمور الدين [19] سِرًّا، ومُراعاتُها علنًا، وهذا يُسمَّى نفاقًا، كما جاء من قوله صلى الله عليه وسلم: «سِبابُ المؤمن [20] فِسقٌ، وقتالُه كفرٌ» [21] . وإنَّما هو كُفر دون كُفرٍ وفسقٌ دُون فِسقٍ، كذلك هو نفاق دون نفاق.
وقد قيل: إنَّ هذا القولَ من رسول الله صلى الله عليه وسلم إنَّما جَاءَ في [22] رجل من المنافقين بعينه، كان في زمان النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يُواجههم بصريح القول، ولا يُسَمِّيهم بأسمائهم، فيقول: فلان منافق. وإنَّما يُشير إليهم بالأمارة [23] المعلومة والعلامة [24] على سبيل التورية عن الصريح، وكان حذيفة بن اليمان يقول: إنَّ النفاق إنَّما كان [25] على عهد [26] رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما كان بعد زمانه كفرٌ. [27]
حدَّثنا أحمد بن إبراهيم بن مالك، قال: حدَّثنا عمر بن حَفْص السَّدوسيُّ، قال: حدَّثنا عاصم بن علي قال: حدَّثنا [28]
ص 30
المسعوديُّ قال: حدَّثنا حبيب بن أبي ثابت، عن أبي الشَّعثاء قال: كنتُ مع ابن مسعود، فقال حذيفة: ذهب النفاق، وإنَّما كان النفاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنَّه الكفر بعد الإيمان.
ومعنى هذا القول: أنَّ المنافقين في زمان [29] رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكونوا قد أسلموا، إنَّما كانوا يُظهرون الإسلامَ رياءً ونفاقًا، ويُسِرُّون الكفرَ عَقْدًا وضميرًا [30] ، فأمَّا اليوم وقد شَاع الإسلامُ واستفاضَ وتوالد الناسُ عليه فتوارثُوه [31] قرنًا بعد قرن، فمن نافقَ منهم بأن يُظهرَ الإسلامَ ويُبطن [32] خلافه فهو مُرتدٌّ؛ لأنَّ نفاقه كفرٌ أحدثه بعد قَبول الدين والإيمان [33] ، وإنَّما كان المنافقُ في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم مقيمًا على كفره الأوَّل، فلم يتشابها.
وأمَّا قول الحسن فيما كان من أولاد يعقوب عليه السلام فإنَّ ذلك الصنيع منهم كان أمرًا نادرًا غيرَ معتاد، وكلمة «إذا» تقتضي تكرار الفعل، والقومُ لم يُصرُّوا على ما كان منهم من الخطيئة [34] ، وقد تابوا وتَنَصَّلُوا من فعلهم إلى أبيهم وسألوه أن يستغفر لهم، وتحلَّلُوا من المجنيِّ عليه، فحلَّلهم [35] واستغفر لهم، فلم تتمكَّن منهم [36] صفة النفاق، والحمد لله [37] .
[1] في النسخ الفروع: (سليمان بن الربيع) محرفًا إلَّا في (ف) : (سليمان أبو الربيع) .
[2] في (أ) : (إسماعيل بن حفص) وهو تحريف.
[3] في النسخ الفروع: (وروي) .
[4] نسبت هذه المقولة لعطاء بن أبي رباح، انظر شرح صحيح البخاري للكرماني (1/ 149) .
[5] في (ط) : (إنما خرج من رسول الله) .
[6] قال ابن حجر في الفتح (1/ 91) : والأولى ما قال الكرماني: إن حذف المفعول من حدَّث يدل على العموم: أي إذا حدث في كل شيءٍ كذب فيه، أو يصير قاصرًا أي: إذا وجد ماهية التحديث كذب.
[7] في النسخ الفروع: (الخصال) .
[8] (على غير وجه) : سقط من (ط) .
[9] في (ط) : (الاختيار والاعتبار) .
[10] انظر: سنن الترمذي (1210) عن رفاعة.
[11] رواه الإمام أحمد في مسنده (2/ 175) .
[12] في هامش الأصل: (هذه الأمة) ، وفوقها (خ) يعني في نسخة.
[13] في النسخ الفروع: (إذ هو في معنى) .
[14] في (ط) : (إذا) .
[15] في (ط) : (البريد)
[16] في (ط) : (العلم)
[17] في هامش الأصل: (والشوب من الرياء) ، وفوقها (خ) يعني في نسخة، وفي النسخ الفروع: (وبعض الرياء) .
[18] في النسخ الفروع: (ولا يوجب أن يكونوا كلهم منافقين) .
[19] في النسخ الفروع إلَّا (م) : (حدود أمور الدين) .
[20] في النسخ الفروع: (المسلم) ، وفي هامش (ف) دلالة على أن في نسخة (المؤمن) .
[21] انظر: البخاري (48) ، عن عبد الله بن مسعود.
[22] (في) سقطت من (ط) .
[23] في (م) : (بالإيحاء) مصحفًا.
[24] قوله: (والعلامة) زيادة من النسخ الفروع.
[25] في النسخ الفروع: (ذهب النفاق وإنما كان النفاق)
[26] في (ط) : (عبد) تصحيفًا.
[27] انظر: البخاري (7114) .
[28] (قال حدثنا عمرو ... حدثنا) سقط من (ط) .
[29] في النسخ الفروع: (في زمن) .
[30] في (ط) : (وجهرًا) وهو تصحيف.
[31] (فتوارثوه) سقطت من (ط) .
[32] في (ر) : (ويبطل) مصحفًا.
[33] (والإيمان) سقط من (ط) .
[34] في (ط) : (الخطبة) تصحيفًا.
[35] في (م) : (فحلل لهم) .
[36] في (م) : (بينهم) .
[37] (والحمد لله) سقط من (ط) .