فهرس الكتاب

الصفحة 348 من 2203

177/ 774 - قال أبو عبد الله: حدَّثنا مُسَدَّدٌ: حدَّثنا إِسْماعِيلُ: حدَّثنا أَيُّوبُ، عن عِكْرِمَةَ: عَنِ

ص 156

ابْنِ عَبّاسٍ، قَالَ: قَرَأَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِيما أُمِرَ، وَسَكَتَ فِيما أُمِرَ

[1] ، {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} [مريم: 64] ، و {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21] .

قوله: (وسكت فيما أُمِرَ [2] ) يريد أنَّه أَسَرَّ القراءة، لا أنَّه تركها، فإنَّه صلى الله عليه وسلم كان لا يزال إمامًا، فلا بدَّ له من القراءة سرًَّا أو جهرًا.

ومعنى قوله: (وَمَا كانَ ربُّك نَسيَّا) وتمثُّلهُ به في هذا الموضع هو أنَّه لو شاء أن يَنزلَ ذِكر بَيانِ أفعال الصلاة وأقوالها، وهيئاتها حتَّى يَكون قرآنًا مَتلوًّا [3] لَفَعَلَ، ولم يَترك ذلك عن نسيانٍ، لكنَّه وَكَلَ الأمرَ في بيان ذلك إلى رسوله [4] صلى الله عليه وسلم، ثمَّ أَمَرَ بالاقتداء به، والائتساء بفعله، وذلك معنى قوله: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44] .

وهذا في نوع ما أُنزِلَ من القُرآن مُجملًا، كالصَّلوات التي أَجمَلَ ذِكرَ فرضها، ولم يُبيِّن عَدَدَ ركعاتها، وكيفيَّة هَيئاتها، وما يُجهرُ القِراءة فيه ممَّا يُخافت، فتولَّى النبيُّ صلى الله عليه وسلم بيانَ ذلك، فاستند ببيانُه إلى أصلِ الفَرْض الذي أنزلَه اللهُ عز وجل، ولم تختلف الأمَّةُ في أنَّ أفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم التي هي بيان مجمل الكتاب واجبة، كما لم يختلفوا في أنَّ أفعاله التي هي أوْطارُ نَفسِه ومآربها [5] من نومٍ وطعامٍ، وإتيان أهلٍ، في نحو ذلك من الأمور [6] غير واجبةٍ، وإنَّما اختلفوا في أفعاله التي تتَّصل بأمر الشريعة ممَّا [7] ليس ببيانٍ لمُجمل [8] الكتاب، والذي يُذهب إليه [9] أنَّها واجبةٌ.

وقد رُوي [10] عن ابن عبَّاس أيضًا أنَّه قال: ما أَحَلَّ الله فهو حَلالٌ، وما حرَّم فهو حَرَامٌ، وما سكَت عنه فهو عَفو [11] {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} [مريم: 64] وكثيرًا ما [12] يحتجُّ به أهل الظاهر ونُفاةُ القياس [13] ، ومن يرى أصلَ [14] الأشياءِ على الإباحة حتَّى يقوم دليلُ الحَظر.

وقوله: (وما سكت عنه فهو عفوٌ) ليس في حقِّ العُموم والشُّمول على ما يذهبون إليه، وإنَّما هو في نوعٍ خاصٍّ من الأشياء دُون

ص 157

نوعٍ، وهو كُلُّ شيءٍ كان لهم فيه عادةٌ جاريةٌ من حوائجِ الأطعمة والأشربة، وما أشبَهَهُا، فما نَصَّ عليه منها بالتحليل أو التحريم فهو البيانُ الشافي الذي لا يبقى في النفوس معه رَيب، وما سَكَت عن ذِكره فهو مَعفُوٌّ لهم عنه، متروك على مَا جَرت به عاداتهم، وذلك كما روي عن تَلِب [15] العنبريِّ [16] قال: صَحبتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم سنين [17] فما سمعت منه لحشرات الأرض تحريمًا [18] . يعني الضَّبَّ [19] ونحوهُ من الحشرات، يريد: أنَّه صلى الله عليه وسلم قد كان يعرف من [20] عاداتهم أنَّهم يأكلونها، فلم يَعْرض لها [21] بتحريم، فكان سَبيله العفو المعقول منه الإباحة.

فأمَّا ما لم يتقدَّم للقوم [22] فيه عادةٌ من استباحةٍ لشيء منها، فقرَّرَهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم عليها فليس من هذه الجملة، وهو موقوف على دليله، لا يحكم فيه بعَفو؛ لأنَّه حُكْمٌ به من غير دليل ولا بُرهان، وحقيقة معنى هذا الكلام هو أنَّ ما سَكَتَ عن إنكاره من عاداتهم [23] فهو عَفوٌ، فيكون السُّكوتُ في مثل هذا دَليلًا على الإباحة.

[1] قوله: (وسكت فيما أمر) سقط من (ط) .

[2] قوله: (أُمر) سقط من الأصل والمثبت من (ط) .

[3] في (ط) : (متلقًا) وفي (أ) :: (متلًا) .

[4] في (ر) و (ف) و (م) : (رسول الله) .

[5] قوله: (ومآربها) زيادة من النسخ الفروع.

[6] في النسخ الفروع: (في نحوها) .

[7] في (ط) : (بما) .

[8] في (ط) والفروع: (بيان مجمل) .

[9] في النسخ الفروع: (والذي يختار) .

[10] في النسخ الفروع: (ونحوه ما روي) .

[11] انظر: سنن أبي داود عن ابن عباس (3800) .

[12] في الأصل (مما) ، والمثبت من (ط) .

[13] في النسخ الفروع: (هذا لظاهر يتعلق به نفاة القياس) .

[14] في (ط) : (أصل إلى) .

[15] في الأصل: (بيت) غير منقوطة، والمثبت من (ط) .

[16] في (م) : (العبري) .

[17] قوله: (سنين) زيادة من النسخ الفروع.

[18] انظر: سنن أبي داود عن تَلِب العنبري (3798) .

[19] في النسخ الفروع: (يريد الضب) إلَّا في (م) : (يريد الضبة) .

[20] في (ط) : (عن) .

[21] في النسخ الفروع: (لهم) .

[22] في النسخ الفروع: (لهم) .

[23] في (ط) : (عادتهم) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت