18/ 43 - قال أبو عبد الله: حدَّثني مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّىَ، قَالَ: حدَّثنا يَحْيَىَ، عن هِشامٍ، قَالَ: أخبَرنا أَبِي
عن عائشة: أَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم دَخَلَ عَلَيْها وعندها امْرَأَةٌ، قالَ: «مَنْ هَذِهِ؟» قالَتْ: فُلانَةُ. فذكرت مِنْ صَلاتِها [2] ، قَالَ: «مَهْ [3] ؛ عَلَيْكُمْ بِما تُطِيقُونَ، فَواللهِ لا يَمَلُّ اللهُ حتَّىَ تَمَلُّوا» . وكان أَحَبَّ [4] الدِّينِ إِلَيْهِ ما داوَمَ [5] عَلَيْهِ صاحِبُهُ.
قوله: (لا يَمَلُّ اللهُ حتَّى تملُّوا) [6] المَلالُ لا يجوز على اللهِ تعالى بحالٍ، ولا يدخلُ في صفاته بوجه، وإنَّما معناه: أنَّه لا يتركُ الثوابَ والجزاءَ على العمل ما لم تتركوه؛ وذلك أنَّ مَنْ مَلَّ شيئًا تَرَكَهُ، فكنَّى عن الترك بالمَلال الذي هو سبب الترك.
وقد قيل: معناه: أنَّه لا يملُّ إذا مللتم، كقول الشَّنْفَرى:
~صَلِيَتْ منِّي هُذيلَ بخِرْقٍ [7] لا يملُّ الشَّرَّ حتَّى يَمَلُّوا [8]
أي: لا يَملَّه إذا مَلُّوه، ولو كان المعنى إذا مَلُّوا مَلَّ لم يكن له [9] عليهم في ذلك مَزيَّةٌ وفضلٌ [10] .
وفيه وجه آخر: وهو أن يكونَ المعنى: أنَّ اللهَ عز وجل
ص 32
لا يتناهى حقُّه عليكم في الطاعة حتَّى يتناهى جُهْدُكم [11] قبل ذلك، فلا تَكلَّفوا ما لا تُطيقونه من العمل، كنَّى بالمَلال عنه؛ لأن مَنْ تناهت قُوَّتُه [12] في أمرٍ وعجز عن فعله، ملَّه وتركَه.
وقوله: (كان أحبَُّ الدِّينِ إليه) يريد: أحَبَّ الطاعة، والدِّين في كلامهم الطاعة، ومنه قولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم في صفة الخوارج: «يَمرقُون من الدِّين كما يمرقُ [13] السَّهمُ من الرَّمِيَّة.» [14] أي: مِن طاعة الأئمَّة [15] .
وقد يُحتملُ أن يكونَ أراد [16] بذلك أَحَبَّ أعمال الدِّين [17]
[1] (أبي) سقط من (ط) ، وفيها: (عن هشام أخبرني عن عائشة) .
[2] في (أ) و (م) : (فذكرت صلاتها) .
[3] (مه) سقطت من (ط)
[4] أهمل ضبط الباء في الأصل.
[5] في النسخ الفروع: (ما دام) .
[6] قوله (وكان أحب ... تملوا) سقط من (ط)
[7] في (م) : (بشر) ، وفي هامش (ف) إشارة إلى أنه هكذا في نسخة.
[8] البيت منسوبٌ للشنفرى في أمالي المرتضى (1/ 280) وشرح الحماسة للتبريزي (2/ 313) وشرح الحماسة للمرزوقي (2/ 827) ، ونسب لابن أخت تأبط شرًّا في العقد الفريد (3/ 298) .
[9] (له) سقط من (ط) .
[10] في (ف) : (مزية فضل عليهم) ، واضطربت هذه العبارة في (م) : (لأنه لم يمل إذا ملوا ما لم يكن له عليهم مزية فضل) .
[11] في (ط) : (بجهدكم) .
[12] في النسخ الفروع: (من تناهى جهده وقوته) .
[13] في (أ) : (مروق) .
[14] انظر البخاري (3610) عن أبي سعيد الخدري.
[15] في النسخ الفروع: (الإمام) .
[16] في (ر) : (ويحتمل أن أرادت) .
[17] قوله: (وقد يحتمل .... الدين) سقط من (ط) .