19/ 48 - قال أبو عبد الله: حدَّثني مُحَمَّدُ بنُ عَرْعَرَةَ، قَالَ: حدَّثنا شُعْبَةُ، عن زُبَيْدٍ، عن أَبي وائلٍ، قَالَ:
حدَّثني عَبْدُ اللهِ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «سِبابُ
[1] المُسْلِمِ فُسُوقٌ [2] ، وَقِتالُهُ كُفْرٌ».
هذا فيمن سَبَّ رجلًا بغير تأويل، أو قاتله على غير معنىً من معاني أمر الدِّين يَتأَوَّلُه في قتاله، ويدخل في هذا المعنى مَنْ كَفَّرَ رجلًا مسلمًا على غير مَذْهَب يحتملُ التأويلَ.
فأمَّا مَنْ فعل شيئًا منهُ مُتأوِّلًا به معنىً يحتمله وجهُ الكلام ضربًا من الاحتمال في تحقيقٍ لأمرٍ من أمور الكفر، أو تشبيه له به، أو تقريبٍ في بعض معانيه، كان خارجًا عن هذا الحكم، ألست ترى أنَّ عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه لمَّا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر حاطب بن أبي بلتعة، حين كتب إلى قريش يخبرهم بشأن [3] رسول الله صلى الله عليه وسلم وبقَصْده إيَّاهم: دَعني يا رسول الله أضرب عُنقَ هذا المنافق. فلم يُعَنِّفه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بأكثر من قوله: «لا تَقُلْ ذلك، أليس [4] قد شهد بدرًا؟ وما يُدريك لعلَّ اللهَ قد [5] اطَّلع على أهل بَدْر فقال: افعلوا ما شئتم، فقد غفرتُ لكم» [6] . فبرَّأه رسول الله صلى الله عليه وسلم من النفاق، وعذر عُمَرَ فيما تناولَه به [7] من ذلك القول، إذ كان الفعل الذي جرى منه مضاهيًا لأفعال المنافقين الذين كانوا [8] يكيدون رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، ويُعاونون عليه [9] كُفَّارَ قريش.
وكذلك [10] قصَّة معاذ بن جبل حين [11] افتتح في صلاة العشاء سورة [12] البقرة، فخفَّفَ رجل صلاته
ص 33
خلفه؛ لعذر [13] كان له، فلمَّا لقيه معاذ قال له: نافَقتَ. فعذره [14] رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك بعد أن قال له [15] : «أَعُدْتَ فَتَّانًا؟» [16] وأمره بتخفيف الصلاة إذا كان إمامًا.
وعلى هذا المعنى يُتأوَّل قولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر؛ فقد باءَ به أحدهما» [17] ؛ وذلك إذا كان هذا القول منه خاليًا عن وجه يحتمله التأويل، فإنَّه لا يبقى حينئذ هناك شيءٌ يُعْذَرُ [18] به، فَيُحملُ أمرُه على أنَّه رآه [19] _وهو مسلم_ كافرًا، ورأى دينَ الإسلام _وهو حَقٌّ_ باطلًا، فلزمه الكفر لذلك؛ إذَ لم يجد الكفر محلًّا فيمن قيل له ذلك.
وقوله: (وقتاله كفر) فإنَّما هو على أن يستبيح دَمَه، ولا يرى [20] أنَّ الإسلام قد عَصمه منه [21] ، وحرَّمه عليه، فيكون مرجعُ ذلك إلى اعتقاده أنَّ اللهَ عز وجل لم يحرِّم دماء المسلمين بغير حقِّها، ومن أَنكر شيئًا من معاظم أمرِ الدِّين [22] المُجَمع عليه المستفيض في الخاصِّ والعامِّ عِلْمُه كفر بذلك.
وقد يُتأوَّل هذا الحديثُ وما جاءَ في معناه من الأحاديث على وجه التشبيه لأفعالهم بأفعال الكفَّار من غير تحقيق للحكم فيه، ومن غير إلحاقٍ لهم بأهل الكفر إذا [23] كان فاعلُه مضاهيًا به فعلَ الكفَّار؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا ترجعُوا بعدي كُفَّارًا؛ يضربُ بعضُكم رِقابَ بعض» [24] . أي: لا تكونوا كالكفار الذين من شأنهم وعادتهم أنْ يضربَ بعضُهم رقاب بعض [25] .
وما يُشبه [26] ذلك قولُه صلى الله عليه وسلم: «كُفْر بالله انتفاءٌ [27] من نَسبٍ وإن دَقَّ [28] ، وادعاءُ نَسَبٍ لا يُعْرَف» [29] . وهذا لا يوجب أن يكون مَن فعل ذلك كافرًا به، خارجًا عن المَّلة، وإنَّما فيه مَذَمَّةُ هذا الفِعل، وتشبيهُهُ بالكفر على وجه التغليظ لفاعله [30] ؛ ليجتنبه [31] فلا يستَحِلَّه، ومثله في الحديث كثير.
[1] في (ف) : (إن سباب) .
[2] في الأصل: (فسق) ، وفي هامشها كالمثبت.
[3] في (م) : (بسر) .
[4] في النسخ الفروع: (إنه) .
[5] (قد) سقط من (ط)
[6] انظر في البخاري (3983) عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
[7] في النسخ الفروع: (فيما تأوله) ، وفي هامش (ف) إشارة إلى أنه في نسخة كما في الأصل.
[8] قوله: (كانوا) زيادة من (ط) .
[9] (عليه) : سقط من (ط) .
[10] في (ط) : (ولذلك) .
[11] في الأصل (حتى) ، والمثبت من (ط) .
[12] في النسخ الفروع: (بسورة) .
[13] في (ط) : (بعذر) ، وفي النسخ الفروع زيادة: (ومضى) .
[14] في (ط) : (بعدره) تصحيفًا.
[15] (له) سقطت من (ط) .
[16] في (ر) : (اعدب قباما) تصحيفًا وتحريفًا، وانظر: البخاري (704) عن جابر رضي الله عنه.
[17] انظر البخاري (6104) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
[18] في (ط) : (يعرى) .
[19] (في ط) : زيادة (رآه مسلمًا) .
[20] في (ط) : (ولا يدري) .
[21] (من) سقط من (ط) .
[22] (الدين) سقط من (ط) .
[23] في هامش الأصل: (إذ) وأشار إلى أنها في نسخة.
[24] رواه البخاري عن جرير بن عبد الله (121) .
[25] قوله: (أي لا تكونوا .... رقاب بعض) سقط من (ط) .
[26] في (ط) : (ومما نبسه) .
[27] في (أ) و (ف) : (من انتفى) ، وتكررت في (م) كلمة (انتفاء) .
[28] في (م) : (وإن رد) مصحفًا.
[29] أخرجه أحمد في المسند (2/ 215) ، وقوله: (وإن دَقَّ) أي: غمض وخفي، (انظر: التاج: دقق) .
[30] في (ط) : (كالفاعله) .
[31] في (أ) : (فيجتلب) .