21/ 53 - قال أبو عبد الله: حدَّثنا عَلِيُّ بنُ الجَعْدِ، قَالَ: حدثنا شُعْبَةُ: عن أَبِي جَمْرَةَ
[1] ، قَالَ:
كُنْتُ أَقْعُدُ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ، يُجْلِسُنِي عَلَىَ سَرِيرِهِ، فَقَالَ: أَقِمْ عِنْدِي حتَّىَ أَجْعَلَ [2] لَكَ سَهْمًا مِنْ مالِي. فأَقَمْتُ مَعَهُ شَهْرَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ القَيْسِ لَمَّا أَتَوُا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنِ القَوْمُ؟ _أَوْ: مَنِ الوَفْدُ؟ _» قالُوا: رَبِيعَةُ. قَالَ: «مَرْحَبًا بِالقَوْمِ _أَوْ بِالوَفْدِ_ غَيْرَ خَزايا وَلا نَدامَىَ» . فَقَالَوا: يا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا لا نَسْتَطِيعُ أَنْ نأتِيَكَ إلَّا فِي شَهْرِ الحَرامِ [3] ، وَبَيْنَنا وَبَيْنَكَ هذا الحَيُّ مِنْ كُفَّارِ [4] مُضَرَ، فَمُرْنا بِأَمْرٍ فَصْلٍ، نُخْبِرْ بِهِ مَنْ وَراءَنا، وَنَدْخُل الجَنَّةَ [5] . وَسأَلُوهُ عن الأَشْرِبَةِ، فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ، وَنَهاهُمْ عن أَرْبَعٍ: أَمَرَهُمْ بِالإِيمانِ [6] بِاللهِ وَحْدَهُ، ثم قَالَ: «أَتَدْرُونَ ما الإِيمانُ بِاللهِ وَحْدَهُ؟» [7] قالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «شَهادَةُ أَنْ لا إِلَهَ إلَّا اللهُ، وأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وإِقامُ الصَّلاةِ، وإِيتاءُ الزَّكاةِ، وَصِيامُ رَمَضانَ، وأَنْ تُعْطُوا مِنَ المَغْنَمِ الخُمُسَ» . وَنَهاهُمْ عن أَرْبَعٍ: عَنِ الحَنْتَمِ والدُّبَّاءِ والنَّقِيرِ والمُزَفَّتِ _وَرُبَّما قَالَ: المُقَيَّرِ_ وقالَ: «احْفَظُوهُنَّ، وأَخْبِرُوا بِهِنَّ مَنْ وَراءَكُمْ» .
قوله: [8] (الخزايا) جمع الخَزْيان، وهو الذي أصابه خِزي وعارٌ، وذَلَّ وانكسر من أجله؛ يقال منه: خَزِي الرجل خزيًا فهو خَزْيان [9] .
ويجمع على الخَزَايَا، كما قيل: سكران وسكارى. ويقال: خَزِيَ الرجلُ: إذا استحيا. والمصدر منه الخَزَاية.
والمعنى: أنَّهم
ص 36
دخلوا في الإسلام طوعًا، فلم يُصبهم مكروهٌ من حَرب أو سَبي يُخزيهم ويفضحهم.
وقوله: [10] (ولا نَدامَى) يريد: الندامة، وكان حقُّه في القياس أن يقال: ولا نادمين، جمع نادم؛ لأنَّ النَّدامى إنَّما هو جمع النَّدْمان، إلَّا أنَّه لمَّا [11] أتبعه الكلامَ الأوَّلَ وهو قوله: «خَزَايا» أخرجه على [12] وَزنه؛ كما قالوا: إنَّه ليأتينا بالغَدايَا والعَشَايا. يريد: جمع غَدَاة، وهي تُجمع على الغَدَوات، ولكنَّه لمَّا قرنَه بالعشايا [13] أخرجه على وزنها، ومثل هذا في كلامهم موجودٌ.
وقولهم: (مُرنا بأمرٍ فَصْل) أي: بيِّنٍ واضح، ينفصلُ به المرادُ، ولا يُشكل [14] فيه المعنى.
وقوله: (ونهى عن الحنتم) فإنَّه يريد به: الانْتِباذَ في الحنتم، والحناتم: الجرار [15] .
و (الدُّبَّاء) القَرعة، يُنتبذ فيها.
و (النقير) : أصل النخلة ينقر فيُتَّخذ منه أوعيةٌ يُنتبذ فيها.
و (المُزَفَّت) : السِّقاء الذي قد زُفِّت، أي رُبِّبَ [16] بالزِّفت، وهو القِيْر.
وليس المعنى في النهي تحريمَ أعيان هذه الأوعية، فإنَّ الأوعية لا تحُرِّم شيئًا ولا تحلِّله، ولكنَّ هذه الأوعية ظروف متينة [17] ، إذا انتبذ صاحبُها فيها كان على غرر [18] منها؛ لأنَّ الشرابَ قد يَنُشُّ [19] فيها ويغلي، فيصير مُسْكرًا وهو لا يَشْعُرُ به، وكذلك هذا في السقاء المُزَفَّت، لأنَّ الرُّبَّ [20] الذي فيه يمنعه من التنفُّس، فأمَّا السقاءُ غيرُ المربوب فإنَّما جاءت الرخصة [21] فيه؛ لأنَّه إذا [22] اشتدَّ الشرابُ لم يلبث السقاءُ أنَ يَنْشَقَّ، فَيَعْلَمَ به صاحبُه، فيجتنبه.
[1] (عن أبي جمرة) سقط من (ط)
[2] في (أ) : (نجعل)
[3] في (ر) : (أشهر الحرام) ، وفي (ف) و (م) : (أشهر الحرم) .
[4] (كفار) سقطت من (م) .
[5] في (ر) : (ندخل به الجنة) وفي هامش (ف) إشارة إلى أنه نسخة.
[6] (أمرهم بالإيمان) سقط من (ط) و (م) .
[7] في النسخ الفروع: (ما الإيمان) فقط.
[8] قوله: (قوله:) سقط من الأصل و (ط) والمثبت من النسخ الفروع.
[9] (فهو خزيان) : سقط من (ط) .
[10] (وقوله) سقط من (ط) .
[11] قوله: (لمَّا) زيادة من النسخ الفروع.
[12] في (ط) : (عن)
[13] في (ط) : (بالعشاء)
[14] في (م) : (ولا يسهل) مصحفًا.
[15] في (ط) : (الجرارة) وجاء بعده في النسخ الفروع مع اختلاف بينها في صوغ العبارة: قلت: ليس كل جرة تسمى حنتمة؛ إنما هي الجرة الخضراء المطلية بما يسد مسام الخزف، ولهذا الجنس تأثير في النبيذ لأنها كالمزفت.
[16] في (م) : (زفت) وفي (ف) إشارة إلى أنها نسخة.
[17] في (ط) : (مبنية)
[18] (غرر) سقطت من (ط) .
[19] في (ط) : (ينس) بالسين المهملة محرفًا. ونَشَّ الشراب: إذا أخذ في الغليان (التاج_ نشش_)
[20] في (م) : (الزفت) وفي (ف) إشارة إليه في نسخة.
[21] في (ط) : (الرجعية) تصحيفًا.
[22] في (ط) : (إذ)