فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 2203

22/ 57 - قال أبو عبد الله حدَّثنا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حدَّثنا يَحْيَىَ، عن إِسمَاعِيلَ، قَالَ: حدَّثني قَيْسُ بنُ أَبِي حازِمٍ:

عن جَرِيرِ بنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: بايَعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَىَ إِقامِ الصَّلاةِ، وإِيتاءِ الزَّكاةِ، والنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ.

جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم نصيحة المسلمين شرطًا في الدِّين يُبَايع عليه كالصلاة والزكاة، ولذلك تراه قرنه بهما، وقد ترجم أبو عبد الله هذا الباب من كتابه بقول النبي صلى الله عليه وسلم «الدين النصيحة، لله ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم

[1] » إلَّا أنه لم يذكر إسناده؛ لأنَّ [2] راوي

ص 37

هذا الحديث من طريق تميم الداري [3] _وهو أشهر طُرُقه_ سهيل بن أبي صالح، وليس سهيل من شرطه، وقد رُوي ذلك أيضًا عن نافع، عن ابن عمر، وهو أيضًا طريق لا بأس به، وفي الباب غير ذلك أيضًا، فنحن من أجل ذلك نذكر هذا [4] الحديث ونبين معناه للحاجة إليه، وكثرة الفوائد فيه.

أخبرنا ابن الأعرابي قال: حدَّثنا عبد الله بن أيُّوب المُخَرِّميُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ بن عيينة، عن سهيل بن أبي صالح، عن عطاء بن يزيد الليثيِّ، عن تميم الدَّاريِّ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة» قالوا [5] : لمن يا رسولَ الله؟ قال: «لله ولكتابه ولنبيِّه، ولأئمَّة المسلمين ولعامَّتهم» .

وأخبرنا ابن الأعرابي قال: حدَّثنا إبراهيم بن فهد، قال: حدَّثنا أبو همَّام الدَّلَّال، قال: حدَّثنا هشام بن سعد، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «الدِّين النصيحة» . قيل: لمن يا رسول الله؟ قال: «للهِ ولرسوله ولكتابه [6] ، ولأئمَّة المسلمين وعامَّتهم» .

(النصيحة) : كلمةٌ جامعةٌ، معناها: حيازةُ الحَظِّ للمنصوح له، ويقال [7] : إنَّ هذه الكلمة من وجيز الأسماء ومختصر الكلام؛ فإنَّه ليس في كلام العرب كلمةٌ مفردة تُسْتَوْفى بها العبارة عن معنى هذه الكلمة، حتَّى يُضمَّ إليها شيءٌ آخر، كما قالوا في الفَلَاح: إنَّه ليس في كلام العرب كلمة أجمع لخير الدنيا والآخرة منه، حتَّى صار ليس يعدله شيءٌ من الكلام في معناه، ولذلك قالوا: أفلح الرجلُ؛ إذا فاز بالخير الدائم الذي لا انقطاع له.

ويقال: إنَّ أصلَ النصيحة مأخوذ [8] من قولهم: نَصَحَ الرجلُ ثوبَه؛ إذا خاطه، والنِّصاح: الخيط، شبهوا فعل النَّاصح فيما يتحرَّاه من صلاح المنصوح له بفعل الخَيَّاط فيما يَسدُّه [9] من خَلل الثوب، ويلأمُه من فُتوقه، ويجمعُه من الصَّلاح فيه.

وقيل: إنَّها [10] مأخوذة [11] من نصحتُ العسلَ إذا صَفَّيته من الشَّمع، شبَّهوا تخليصَ القول والعمل من شَوْب الغِش والخيانة بتخليص العسَل من الخَلْط الذي فيه.

وقوله: (الدين النصيحة) ثلاثًا، يريد: أنَّ عمادَ أَمر الدين

ص 38

وقِوامَه إنَّما هو النصيحة، وبها ثباته وقوَّته، كقوله صلى الله عليه وسلم: «الأعمال بالنيَّات» [12] أي: ثباتها وصحَّتها بالنيَّات، وكما قال: «الحجُّ عَرَفة» [13] أي: عمادُ الحجِّ ومعظمه عرفه؛ لأنَّ من أدركها فقد أدرك الحجَّ، وأمكنه أن يجبر سائرَ الفوات من أعماله، ومَنْ لم يدركْه فاتَه الحجُّ، فلم يستدركْه بشيء، وكما يقال: الناسُ تميم، والمالُ الإبل. ونحوها من الكلام.

ولمَّا كانت النصيحة من باب المضاف استُفْصلت، فقيل: لِمَنْ يا رسولَ اللهِ؟ قال: «لله ولكتابه ولنبيِّه ولأئمِّة المؤمنين وعامَّتهم» ، فجعلها شائعةً في كلِّ سهم [14] مِنْ سهام الدِّين، وفي كلِّ قِسم من أقسامه، وفي كُلِّ طبقةٍ من طبقات أهله.

فأمَّا النصيحة لله عز وجل فمعناهُ مُنصرِفٌ إلى الإيمان به، ونفي اعتقاد الشرك معه [15] ، وتَرْكِ الإلحاد [16] في صفاته، وبَذْل الطاعة له، وإخلاص العمل فيما أمر به [17] ونهى عنه، ومُوالاة مَنْ أطاعه [18] ، ومعاداة من عَصَاه، والاعتراف بنعمه [19] ، والشكر له عليها.

وحقيقة هذه الإضافة راجعة إلى العَبْد في نصيحة نفسه لله، ودعوة غيره من الخَلق إلى هذه الخصال في أمر خالقه عز وجل، والله سبحانه غنيٌّ عن نُصْحِ كُلِّ ناصِحٍ، وإرشَادِ كُلِّ مُرشدٍ، وبه نالَ الرُّشدَ المرشدُون، وبنوره اهتدى المهتدون، وبرحمته [20] نجا الفائزون.

وأمَّا النصيحة لكتابه فمعناها الإيمان به، وبأنَّه كلامُ اللهِ ووحيُه وتنزيلُه، وأنَّه لا يُشبهُ شيئًا من كلام المربُوبين، ولا يقدر على مثله أحدٌ من المخلوقين، وإقامةُ حروفه في التلاوة، وتحسينُه عند القراءة، والذَّبُّ عنه في تأويل المُحرِّفين له وطَعن الطاعنين عليه، والتصديقُ بوعده ووعيده، والاعتبارُ بمواعظه، والتَّفكُّرُ في عجائبه، والعلمُ بفرائضه وسننه وآدابه، والعملُ بمحكمه، والتسليمُ لمتشابهه، والتَّفقُّه في علومه، والتَّبيُّنُ لمواضع المراد من خاصِّه وعامِّه وناسخه ومنسوخه وسائر وجوهه.

وأمَّا النصيحة

ص 39

لرسوله [21] صلى الله عليه وسلم، فإنَّما هي في تصديقه على الرسالة، وقَبولِ ما جاء به ودَعَا إليه، وطاعته [22] فيما سَنَّ وشَرع وبيَّن من أمر الدين وشَرَح، والانقياد له فيما أمر ونهى وحكم وأمضى، وتركِ التقديم بين يديه، وإعظامِ حَقِّه، وتعزيرِه [23] وتوقيره، ومؤازرته ونصرته، وإحياءِ طريقته في بثِّ الدعوة وإشاعة السُّنَّة، ونفي التُّهمة عنه [24] في جميع ما قاله ونَطَقَ به، فإنَّه لكما [25] وصفه ربُّه وباعثه فقال: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم:3 - 4] وقال: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا} [النساء: 65] .

وأمَّا النصيحةُ لأئمَّة المؤمنين [26] فإنَّ الأئمَّة هم الولاة من الخلفاء الراشدين ومَن بعدهم ممَّن يلي أَمرَ الأُمَّة ويقوم به، ومن نصيحتهم بَذْلُ الطاعة لهم في المعروف، والصلاةُ خلفهم، وجِهادُ الكفَّار معهم، وأداءُ الصدقات إليهم، وتركُ الخروج بالسيف عليهم إذا ظهر منهم حَيفٌ أو سُوءُ سيرةٍ، وتنبيهُهم عند الغفلة، وأن لا يُغرَّوا بالثناء الكاذب عليهم، وأن يُدعى بالصلاح لهم.

وقد يُتأوَّلُ ذلك في الأئمَّة الذين هم [27] من عُلماء الدِّين، ومن نصيحتهم قَبولُ ما رَوَوْه إذا انفردوا [28] ، وتقليدُهم، وحسنُ الظنِّ بهم [29] ، ومتابعتُهم على ما رَأَوْه إذا اجتمعوا واتَّفقوا.

وأمَّا نصيحة عامَّة المسلمين فجماعها تعليمُ ما يجهلونه [30] من أمر الدين، وإرشادُهم إلى مصالحهم، وأمرُهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، والشفقةُ عليهم، وتوقيرُ كبيرهم، والتَّرحُّم على صغيرهم، وتَخَوُّلُهم بالموعظة الحسنة، كنحو ما أرشد إليه [31] في قوله عز وجل: {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 125]

فقيل: إنَّ المجادلة بالتي هي أحسن ما كان نحو قوله عز وجل حكايةً عن إبراهيم: {يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا} [مريم: 42] وكقوله: {قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ. أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ} [الشعراء:72 - 73] فإنَّ مثل [32] هذه المجادلة يُقيم الحُجَّةَ، ولا يُورثُ الوحشَة [33] ، وهو معنى الدُّعاء

ص 40

إلى سبيل ربِّك بالحكمة والموعظة الحسنة، والله أعلم.

[1] في (م) : (ولأئمة المؤمنين) وفي كذا (ر) وفيها: (ولعامتهم) وكذا في (ف) وجاء في هامش (ف) إشارة إلى وجود نسخة كما في الأصل.

[2] في الأصل: (لأنه) .

[3] في (ط) : (الداراني) وكذلك في الموضع بعده.

[4] في الأصل: (نذكرها) والمثبت من (ط) .

[5] في الأصل: (قال) والمثبت من (ط) .

[6] (لكتابه) سقط من (ط) .

[7] (ويقال) تكررت في (ط) .

[8] في (ط) : (مأخوذة) .

[9] في (ر) : (يسادد) .

[10] في (ط) (إنما هو) .

[11] في الأصل (مأخوذ) والمثبت من (ط) ومن النسخ الفروع.

[12] تقدم تخريج الحديث في (ص 3) من هذا الكتاب.

[13] رواه الترمذي، عن سفيان الثوري رقم (4058) بلفظ (الحج عرفات ... ) الحديث.

[14] في الأصل (كلامهم) والمثبت من (ط) .

[15] في النسخ الفروع: (نفي الشرك عنه) .

[16] في (ط) : (الاتحاد) .

[17] (به) سقط من (ط) .

[18] في (ط) : (أطاع الله) .

[19] في (ط) : (بنعمته) .

[20] (وبرحمته) تكررت في (ط) .

[21] في (ط) والفروع: (لرسول الله) .

[22] في النسخ الفروع: (والطاعة له) .

[23] (( التعزير) في كلام العرب بمعنى: التوقير، والإعانة، والتقوية والنصر باللسان والسيف (التاج _عزر_) .

[24] قوله: (عنه) سقط من الأصل و (ط) والمثبت من النسخ الفروع.

[25] في (ط) والفروع: (كما) بإسقاط اللام.

[26] في (ط) و (أ) : (المسلمين)

[27] في (ط) زيادة: (من) .

[28] في (ط) : (انفرد) على إفراد الفعل

[29] قوله: (وحسن الظنِّ بهم،) سقط من الأصل و (ط) والمثبت من النسخ الفروع.

[30] في (م) : (ما جهلوه) .

[31] (إليه) : سقط من (ط) وفي النسخ الفروع: (كنحو ما أرشد الله إليه)

[32] قوله: (مثل) مستدركة في الأصل بخط مغاير.

[33] في النسخ الفروع: (لا تورث الوحشة وتقيم الحجة) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت