272/ 1295 - قال أبو عبد الله: حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ، قال: أخبَرنا مالِكٌ، عن ابنِ شِهابٍ، عن عامِرِ بنِ سَعْدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ:
عن أَبِيهِ، قالَ: كانَ
[1] رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَعُودُنِي عامَ حَجَّةِ الوَداعِ، مِنْ وَجَعٍ اشْتَدَّ بِي، فَقُلْتُ: إِنِّي قَدْ بَلَغَ بِي مِنَ الوَجَعِ ما ترى [2] ، وَأَنا ذُو مالٍ، وَلا يَرِثُنِي إلَّا ابنَةٌ [3] ، فَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مالِي؟ قالَ: «لا» [4] . قُلْتُ: الشَّطْرُ؟ فقالَ: «لا» . قلت: الثُّلثُ [5] ؟ ثُمَّ قالَ: «الثُّلُثُ والثُّلْثُ كَبِيرٌ _أَوْ: كَثِيرٌ_ إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ ذُرِيَّتكَ أَغْنِياءَ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ، وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بها وَجْهَ اللهِ إلَّا أُجِرْتَ [6] بِها، حَتَّى ما تَجْعَلُ فِي فِي امْرَأَتِكَ» . قُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ، أُخَلَّفُ بَعْدَ أَصْحابِي؟ قالَ: «فإِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ [7] فَتَعْمَلَ عَمَلًا صالِحًا إلَّا ازْدَدْتَ بِهِ [8] دَرَجَةً وَرِفْعَةً، ثُمَّ لَعَلَّكَ أَنْ تُخَلَّفَ حَتَّى يَنْتَفِعَ بِكَ [9] أَقْوامٌ [10] ، وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ، اللَّهُمَّ أَمْضِ لأَصْحابِي هِجْرَتَهُمْ وَلا تَرُدَّهُمْ علىَ أَعْقابِهِمْ، لَكِنِ البائِسُ سَعْدُ بنُ خَوْلَةَ» . يَرْثِي لَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ ماتَ بِمَكَّةَ.
قوله: (عالة) يريد: فُقراء [11] ، جَمع عَائلٍ، وهو الفقير.
وقوله: (يَتَكَفَّفُون) أي: يتعرَّضون للمسألة [12] بأكفِّهم.
وفي الحديث
ص 220
من الفقه: أنَّه لم يأمره بالوَصيَّة بماله للأقربين، وقد كان أخبره أنَّه لا يرثُه غيرُ ابنة واحدةٍ، ورَدَّ مَالَه إلى العَصَبة، ولو كانت آيةُ الوَصيَّة للأقربين ثابتةً [13] غيرَ منسوخة لأمره بذلك، ولكانت تُؤخَذُ من التركة إن لم يوص بها [14] ، ولجرت مَجرى الاستحقاق من الديون ونحوها، وكان ابن عبَّاس يذهبُ إلى أنَّ الوَصيَّةَ للأقربين المأمورَ بها في الآية ثابتةٌ، والوصيَّةَ للوالدين منسوخة بآية المواريث [15] لقوله [16] : {وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ} [النساء: 11] ، وهو قول الحسن وطَاوُس وقتادة [17] ، وإليه ذهب إسحاق بن رَاهَوَيه، قالوا: نُسخ الوالدان بالفرض لهما في سورة النساء، وبقي الأقربون مِمَّن لا يَرثُ، فأمَّا عامَّةُ أهل العلم فإنَّهم يَرَون الآية منسوخةً في جميع من اشتمل عليه الذِّكرُ.
وقوله: (يَرثي لسعد بن خولة أن مات بمكَّة) فإنَّما كَرِهَ له ذلك؛ لأنَّ مكَّة دارٌ هَجَروها للهِ عز وجل، فأحَبُّوا أن تكونَ حياتُهم ووفاتُهم بغيرها من بقاع الأرض؛ لئلَّا يكونَ ذلك منهم عَودًا فيما تركوه لله عز وجل، وقد يَنظر كثيرٌ من الناس في مثل هذا الموضع [18] تُربَتَه، كما يَنظر في حياته لموضع إقامته، وقد جرت سُنَّةُ الدِّين بحفظ [19] شِعار القُرَبِ على [20] الأموات، كما جاء [21] في الشُّهداء أنَّهم لا يُغَسَّلون ويُدفنون بثيابهم ودمائهم [22] ، وكَالمحرِم إذا مات لا يُخمَّر رأسُه، ولا يُقَرَّبُ طِيبًا [23] .
وقد رُوي عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه دَعَا فقال: «اللَّهمَّ لا تجعلْ مَنَايَانَا بمكَّة» [24] ، فلأجل ذلك رَثَى لِسَعْدِ بن خولة أن ماتَ بمكَّة.
وفيه دليلٌ على كراهة نقل الموتى من بلدٍ إلى بلدٍ، ولو كانَ ذلك جائزًا لأمَرَ بنقله إلى دار مُهاجِرِه، إذ قد رَثى له حين أدركته المنيَّةُ بمكَّة، فدلَّ تركُه ذلك على كراهته له.
[1] في (أ) و (ف) : (جاء) .
[2] (ما ترى) سقط من (ط) و (ر) و (ف) .
[3] في (ف) : (ابنة لي) .
[4] (قال: لا) سقط من (ط) .
[5] (قلت الثلث) سقط من (ط) والفروع.
[6] في (أ) : (ازددت) .
[7] في (أ) زيادة: (بعدهم) .
[8] (به) سقطت من (م) .
[9] قوله (قلت يا رسول الله ... ينتفع بك) سقط من (ط) .
[10] في (م) : (قوم) .
[11] في الفروع: (العالة الفقراء) .
[12] في الفروع: (للسؤال) .
[13] قوله (الفقه .. ثابتة) سقط من (ط) .
[14] في الفروع: (به) .
[15] انظر: تفسير الطبري (3/ 389) ، عن ابن عباس.
[16] في (ط) : (بقوله) .
[17] انظر: تفسير الطبري (3/ 388 - 389) .
[18] (في مثل هذا الموضع) سقط من (ط) .
[19] في الفروع: (السنة بأن يحفظ) .
[20] في (ط) : (من) .
[21] في الفروع: (كما قلنا) .
[22] انظر البخاري رقم (1343) عن جابر بن عبد الله.
[23] انظر البخاري رقم (1265 و 1267) عن ابن عباس.
[24] انظر: المسند للإمام أحمد رقم (4778) ، عن ابن عمر.