فهرس الكتاب

الصفحة 546 من 2203

279/ 1339 - قال أبو عبد الله: حدَّثنا مَحْمُودٌ، قال

[1] : حدَّثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن ابنِ طاوُسٍ، عن أَبِيهِ [2] :

عن أَبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «أُرْسِلَ مَلَكُ المَوْتِ إلىَ مُوسَى، فَلَمَّا جاءَهُ صَكَّهُ [3] ، فَرَجَعَ إلىَ رَبِّهِ، فقالَ: أَرْسَلْتَنِي إلىَ عَبْدٍ لا يُرِيدُ المَوْتَ. فَرَدَّ اللهُ إليه عَيْنَهُ، وَقالَ: ارْجِعْ، فَقُلْ لَهُ يَضَعُ يَدَهُ علىَ مَتْنِ ثَوْرٍ، فَلَهُ بِكُلِّ ما غَطَّتْ يَدُهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ سَنَةٌ. فقالَ: أَيْ رَبِّ، ثُمَّ ماذا؟ قالَ: ثُمَّ المَوْتُ. قالَ: فالآنَ. فَسَأَلَ اللهَ أَنْ يُدْنِيَهُ مِنَ الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ رَمْيَةً بِحَجَرٍ» . قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «فَلَوْ كُنْتُ ثَمَّ لَأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ، إلىَ جانِبِ الطَّرِيقِ، عند الكَثِيبِ الأَحْمَرِ» .

هذا حديثٌ يطعن فيه الملحدون وأهل الزَّيغ والبدعِ، ويغمزون به في رُواته ونقلته، ويقولون: كيف يجوزُ أن يفعل نبيُّ اللهِ موسى هذا الصَّنيع بمَلَكٍ من ملائكة الله جَاءهُ بأمرٍ من أمره [4] ، فَيستعصي عليه، ولا يأتَمِر [5] له؟!

وكيف تَصلُ يده إلى المَلَك ويُخلصُ إليه صَكُّه ولطمه [6] ؟!

وكيف يُنهنهه [7] الملكُ المأمور بقبض رُوحه،

ص 224

فلا يُمضي أمر اللهِ فيه؟!

هذه أمورٌ خارجة عن المعقول، سَالِكةٌ طَريقَ الاستحالة من كُلِّ وجه.

والجواب: أن مَن اعتبر هذه الأمُور بما جرى به عُرف البَشَر، واستمرَّت عليه عادات [8] طباعهم، فإنَّه يُسرعُ إلى استنكارها والارتياب بها؛ لخروجها [9] عن رسوم [10] طِباع البشر، وعن سُنَنِ عاداتهم، إلَّا أنَّه أمْرٌ [11] مصدره عن قُدرة الله عز وجل الذي لا يُعجزه شيء، ولا يتعذَّر عليه أمرٌ، وإنَّما هو مُجاوَبَةٌ [12] بين ملكٍ كريم ونَبيٍّ [13] كليمٍ، وكُلُّ واحدٍ منهما مخصوصٌ لِصفة [14] خَرَجَ بها [15] عن حُكم عَوَامِّ البشر، ومَجَاري عاداتهم في المعنى الذي خَصَّ به [16] من أثَرَة الله واختصاصِه إيَّاه، فالمُطالبة بالتسوية بينهما وبينهم [17] فيما تنازعناه من هذا الشأن حتَّى يكون ذلك على أحكام طباع الآدميِّين، وقياس أحوالهم غير واجبةٍ [18] في حَقِّ النَّظر.

ولله عز وجل لطائفُ وخصائص يَخُصُّ بها مَن يشاءُ مِن أنبيائه وأوليائه، ويُفرِدُهم بحكمها دُون سائر خلقه، وقد أعطى موسى النُّبوَّة، واصطفَاه بِمناجاته وكلامه، وأمدَّه حين أرسله إلى فرعون بالمعجزات الباهرة، كالعَصَا، واليد البيضاء، وسخَّر له البحر فصار طريقًا يَبَسًا جَازَ عليه قومُه وأولياؤه، وغَرق فيه خَصمُه وأعداؤه، وهذه أمورٌ أكرمه اللهُ بها، وأفرده بالاختصاص فيها أيَّامَ حياته ومُدَّة بقائه في دار الدُّنيا.

ثمَّ إنَّه لمَّا دَنَا حِينُ وفاته _وهو بَشرٌ يكرهُ الموت طبعًا، ويجد ألَمَه حِسًا_ لَطُفَ له بأن لم [19] يُفاجِئه به [20] بَغتةً [21] ، ولم يأمر المَلَكَ الموكَّل به أن يأخُذَه قَهرًا وقَسرًا، لكن أرسله إليه مُنذرًا بالموت، وأمره بالتَّعرُّض له على سبيل الامتحان في صورة بَشَر، فلمَّا رآه موسى اسْتَنْكَرَ شأنه، واستوعر [22] مكانه، فاحتجز [23] منه دفعًا عن نفسه بما كان من صَكِّه إيَّاه، فأتى ذلك على عينه التي ركبت في الصورة البشريَّة التي جاءه فيها دون الصورة

ص 225

المَلَكيَّة التي هي مَجبولُ الخلقة عليها [24] .

ومثل هذه الأمور مِمَّا يُعلَّلُ به طباع البشر، وتطيبُ به نفوسهم في المكروه الذي هو واقعٌ بهم، فإنَّه لا شيء أشفى للنفس من الانتقام مِمَّن يكيدها فيريدُها بسُوء، وقد كان من طَبْع موسَى عليه السلام فيما دَلَّ عليه آيٌ من القرآن حِمًا [25] وحدَّة، وقد قصَّ علينا الكتابُ ما كان من وَكزه القِبطيَّ الذي قَضَى عليه [26] ، وما كان عند غَضَبه من إلقائه الألواحَ، وأَخْذه برأس أخيه يَجُرُّه [27] إليه، ورُوي أنَّه كان إذا غَضِبَ اشتعلت قلنسُوتُه نارًا [28] ، وقد جرت سُنَّةُ الدِّين بحفظ النفس [29] ، ودَفع الضَّرر والضَّيم عنها، ومن شَريعة نبيِّنا صلى الله عليه وسلم ما سَنَّه فيمن اطَّلع على مَحرَمِ قومٍ من عُقوبته في عينه، فقال: «مَنِ اطَّلع في بيتِ قومٍ بغير إذنهم فقد حَلَّ لهم أن يفقؤوا عينه» [30] .

ولمَّا نظر نبيُّ الله موسى عليه السلام إلى صُورةٍ بشرية هَجَمت عليه من غير إذن يريد نفسه ويقصد هلاكه، وهو لا يُثبتُه معرفةً، ولا يستَيقن أنَّه ملَك الموتِ، ورسولُ رَبِّ العالمين فيما يُراوِدُه منه، عَمِدَ إلى دَفعه عن [31] نفسه بيده وبطشه، فكان في [32] ذلك ذِهابَ عينه.

وقد امتُحن غيرُ واحدٍ من الأنبياء صلوات الله عليهم بدخُول الملائكة عليهم في صورة البشر، كدخول المَلَكين على داود في صورة الخَصمين لمَا أراد اللهُ عز وجل من تعريفه إيَّاه بذنبه، وتَنبيهه على مَنْ لم يرضَه [33] من فِعلِه [34] ، وكدخولهم على إبراهيم عليه السلام حين أرادوا إهلاكَ قوم لِوطٍ فقال: {قَوْمٌ مُّنكَرُونَ} [الذاريات: 25] ، وقال {فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ [35] إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً} [هود: 70] ، وكان نبيُّنا صلى الله عليه وسلم أوَّلَ ما بُدئ بالوحي يأتيه المَلَكُ فيَلتَبسُ عليه أمرُه، ولمَّا جاءَه جبريلُ عليه السلام في صُورة رجل فسأله عن الإيمان

ص 226

لم يُثبته، فلمَّا انصرف عنه تَبيَّن أمرَه فقال: «هذا جبريل جاءكم يُعلِّمكم أمرَ دينكم» [36] .

فكذلك [37] كان أمرُ [38] موسى عليه السلام فيما جرى مِن مُناوشَته مَلَكَ [39] الموت وهو يراهُ بشرًا، فلمَّا عادَ المَلَكُ إلى ربِّه عز وجل مُسْتَثْبِتًا أمرَه فيما جرى عليه ردَّ اللهُ عز وجل عليه عَينه، وأَعَادَه [40] رسولًا إليه بالقول المذكور في الخبر الذي رويناه؛ ليِعلَمَ نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم إذا رأى صِحَّةَ عينه المفقوءةِ وعودةِ بصره الذاهب أنَّه رسول [41] الله بَعَثَه لِقبض [42] رُوحه، فاستسلم حينئذٍ لأمره، وطاب نفسًا بقضائه، وكُلُّ ذلك رِفقٌ من الله عز وجل به، ولُطْفٌ منه في تَسهيل ما لم يكن بُدٌّ من لِقَائه، والانقياد لمورد قضائه.

وأخبرنا ابن الأعرابيِّ، قال: حدَّثنا أبو داود: حدَّثنا محمَّدُ بن عثمان العِجْليُّ: حدَّثنا خالد بن مَخلد، عن سليمان بنِ بلال، حدَّثني [43] شريك بن عبد الله بن أبي نَمِرٍ، عن عطاءٍ، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إنَّ اللهَ عز وجل [44] قال: مَنَ عَادَى لي وليًّا فقد آذنته بحربٍ، وما تَقَرَّب إليَّ عبدي [45] بشيء أحبَّ إليَّ [46] مِمَّا افترضت [47] عليه، ومازال [48] عبدي [49] يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتَّى أحبَّه، فإذا أحببتُه كنتُ سمعَه الذي يسمع به، وبصَره الذي يبصر به، ويده الذي يبطش بها، إنْ سألني لأُعطينَّه، وإن استعاذني لأُعِيذَنَّه، وما ترَدَّدْتُ عن [50] شيء أنا فاعلُهُ [51] تَردُّدِي عن نفس المؤمن، يَكره الموت» [52] .

قلت: وفي غير هذه الرواية: «ولا بُدَّ له من لِقائي» [53] .

ومعاني هذه الأمور فيما لَطَف اللهُ به [54] لخاصِّ أوليائه معلومةٌ، ومواضيعُها من الحكمة والاستِصلاح غيرُ مجهولة، فأمَّا بيانُ القول والتأويل فيما يُستشنَع [55] من ألفاظ هذا الحديث فَسَيَقَعُ في موضعه من هذا الكتاب.

وما أشبه معنى قوله: «ما تَرَدَّدْتُ عن [56] شيءٍ أنا فاعلُه تَرَدُّدِي عن نفس المؤمنِ يكرهُ الموتَ»

ص 227

بترديده [57] رَسولَهِ مَلَكَ الموتِ إلى نَبيِّه موسى عليه السلام [58] فيما كرهه من نُزول الموت به؛ لطفًا منه بصَفيِّه، وعطفًا عليه.

والتردُّدُ على الله تعالى غير جائز، وإنَّما هو مَثلٌ يُقَرِّبُ به معنى ما أراده [59] إلى فهم السَّامع، والمُراد به [60] تَردِيدُ الأسباب والوسائط من رسولٍ أو شيءٍ غيره كما شاء سبحانه، تَنَزَّهَ عن صِفاتِ المخلوقين، وتعالى عن نُعوت المَربُوبين الذين يعتريهم في أمورهم النَّدمُ والبَدَاءُ [61] ، وتختلف بهم العزائم والآراء [62] ، {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى: 11] .

[1] (حدثنا محمود قال) سقط من (ط) .

[2] قوله: (عن أبيه) سقط من الأصل والمثبت من (ط) .

[3] في (ط) : (صليه) .

[4] في (ط) : (جاءه بأمره) وفي الفروع: (بأمر الله) .

[5] في (ط) : (ولا يأتم) .

[6] في الفروع: (إلى الملك فيلطمه) .

[7] (ينهنهه) سقطت من (ط) ، وفي (ر) و (ف) : (ينهنه الملك ذلك) وفي (م) : (يهنيه) .

[8] في الفروع: (عادة) .

[9] في (ط) : (بخروجها) .

[10] في (ف) (شؤم) وفي (م) : (سوم) بحذف الراء.

[11] قوله: (أمرٌ) سقط من الأصل، والمثبت من (ط) .

[12] في الفروع: (محاولة)

[13] في (ر) : (وبين) .

[14] في (ط) : (بصفة) وفي الفروع: (بشيء) .

[15] (بها) سقطت من (ط) وفي الفروع: (به) .

[16] في الفروع: (خصه الله به) وفي (ر) : (يخصه) .

[17] في (أ) و (ر) و (م) : (بيننا وبينهم) ، وفي (ف) : (بينهما وبينه) .

[18] في الفروع: (غير جائزة) .

[19] قوله: (لم) سقط من الأصل والمثبت من (ط) .

[20] (به) سقطت من (ط) .

[21] في الفروع: (بغتة به) .

[22] في (ر) و (ف) و (م) : (واستوى عن) .

[23] (احتجز) أي: امتنع (التاج_ حجر_) .

[24] في الفروع: (هو مجبول عليها) .

[25] (الحُمّيا) شِدَّة الغضب (التاج _حما_) .

[26] يشير إلى قوله تعالى: {فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ} [القصص: 15] .

[27] في (ط) : (يجريه) .

[28] انظر الدر المنثور 3/ 127.

[29] في الفروع زيادة: (ما أمكن) .

[30] انظر: سنن أبي داود رقم (5172) عن أبي هريرة.

[31] في (ط) : (من) .

[32] قوله: (في) زيادة من (ط) .

[33] في (ط) : (على مالم يرض) .

[34] قال تعالى {وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ} [ص: 21] .

[35] (تصل) سقطت من (ط) .

[36] انظر: البخاري رقم (50) ، عن أبي هريرة.

[37] في الفروع: (فكذا) .

[38] (أمر) سقطت من (ط) .

[39] في الفروع: (جرى منه مع الملك) .

[40] في الأصل: (أعاد) والمثبت من (ط) .

[41] في (ط) : (لرسول) .

[42] في (أ) : (بعثه الله إليه فقبض) .

[43] في الأصل تشكل قراءتها والمثبت من (ط) .

[44] في (ط) : (ثنى به عليه) .

[45] في (ر) : (عبدي إلي) وفي (ف) و (م) : (عبد) .

[46] (إلي) سقطت من (ف) .

[47] في الأصل: (أفرضت) ، وفي (ط) : (أورضته) ، والمثبت من الفروع.

[48] في (أ) : (وما يزال)

[49] في (ط) : (البد) .

[50] في (ط) و (م) : (في) .

[51] (فاعله) سقطت من (ط) .

[52] انظر: البخاري رقم (6502) عن أبي هريرة

[53] انظر: حِلية الأولياء لأبي نعيم (4/ 32)

[54] (به) سقطت من (ط) .

[55] في (ط) : (يستبشع) .

[56] في (ط) : (في) .

[57] في (أ) و (ر) : (بتردده) .

[58] قوله (موسى عليه السلام) سقط من (ط) .

[59] في الفروع: (يقرب به المراد) .

[60] في الفروع: (وأراد) .

[61] قوله (من رسول ... والبداء) سقط من (ط) .

[62] في (ط) : (الآراء والعزائم) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت