285/ 1362 - قال أبو عبد الله: حدَّثني عُثْمانُ، قالَ: حَدَّثَنا جَرِيرٌ، عن مَنْصُورٍ، عن سَعْدِ بنِ عُبَيْدَةَ، عن أَبِي عَبْدِ الرَّحْمنِ:
عنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه، قالَ: كُنَّا في جِنازةٍ في بَقِيعِ الغَرْقَدِ، فَأَتانا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَقَعَدَ وَقَعَدْنا حَوْلَهُ
[1] ، وَمَعَهُ مِخْصَرَةٌ، فَنَكَّسَ، فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِمِخْصَرَتِهِ، ثُمَّ قالَ: «ما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ، ما [2] مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ، إلَّا كُتِبَ مَكانُها [3] مِنَ الجَنَّةِ والنَّارِ، وَإِلَّا كُتِبَتْ سَعِيدَةً أَوْ شَقِيَّةً» . فقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللهِ، أَفَلا نَتَّكِلُ علىَ كِتابِنا وَنَدَعُ العَمَلَ؟ فَمَنْ كانَ مِنَّا [4] مِنْ أَهْلِ السَّعادَةِ فَسَيَصِيرُ [5] إلىَ عَمَلِ [6] أَهْلِ السَّعادَةِ، وَأَمَّا مَنْ كانَ مِنَّا مِنْ [7] أَهْلِ الشَّقاوَةِ [8] فَسَيَصِيرُ [9] إلىَ عَمَلِ أَهْلِ
ص 234
الشَّقاوَةِ [10] . قالَ: «أَمَّا أَهْلُ السَّعادَةِ فَيُيَسَّرُونَ [11] لِعَمَلِ أهل السَّعادَةِ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقاوَةِ فَيُيَسَّرُونَ [12] لِعَمَلِ أهل الشَّقاوَةِ [13] . ثمَّ قرأ [14] : {فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى} الآيَةَ [الليل: 5] » .
قلت: معنى قولهم: (أفلا نتَّكِلُ على كِتابنا وندعُ العمل) مُطالبة منهم بمُوجِبِ أمرٍ تحته [15] تعطيلُ [16] العُبُوديَّة، وذلك أنَّ إخباره صلى الله عليه وسلم إيَّاهم [17] عن سبقِ الكتاب بسَعادة السَّعيد وشقاوَةِ الشَّقي إخبارٌ عن غَيب علم الله [18] فيهم وهو حُجَّته عليهم، فَرامَ القومُ [19] أن يتَّخذوه حجَّة لأنفسهم في ترك العمل، ويتَّكلوا على الكتاب السابق، فأعَلَمهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنَّ هاهنا أمرين لا يُبطِلُ أحدُهما الآخر: بَاطنٌ، هو [20] العِلَّة الموجبة [21] في حُكم الرُّبُوبيَّة، وظاهرٌ، هو السِّمة اللازمة في حَقِّ العُبوديَّة، وإنَّما هو أمَارة مُخيِّلة في مطالعة علم العواقب غير مُفيدةٍ حَقيقةَ العِلم به.
ويُشبه أن يَكونوا _واللهُ أعلمُ_ إنَّما عُومِلُوا بهذه المعاملة [22] ، وتُعُبِّدُوا بهذا [23] النَّوع من التَّعبُّدِ لِيَتَعَلَّقَ خوفُهم [24] بالباطن المُغيَّب عنهم [25] ، ورَجَاؤُهم بالظاهر البادي لهم، والخوفُ [26] والرجاءُ مَدْرَجَتا العُبوديَّة، فَيَسْتِكْمِلوا [27] بذلك صِفةَ الإيمان، وبَيَّنَ لهم أنَّ كُلاًّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ له، وأنَّ عملَه في العاجل دَليلُ مَصِيره في الآجل، ولذلك تَمثَّل بقوله عزَّ وجلَّ: {فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى. وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى. فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى. وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى. وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى. فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى}
[الليل:5 - 10]
وهذه الأمور إنَّما هي في حكم [28] الظاهر من أحوال العباد، ومن وراء ذلك عِلْمُ اللهِ فيهم [29] ، وهو الحكيم الخبير {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء: 23] .
فإذا طلبتَ لهذا الشأن نظيرًا من العلم، يَجمعُ لك هذين المَعْنَيَيْن فاطُلبْهُ في باب أَمْرِ الرِّزْق المَقْسُوم مع الأمر بالكَسْب،
ص 235
وَأَمْرِ [30] الأجلِ المضروب في العمر [31] مع التَّعالُج بالطِّبِّ، فإنَّك تجد المُغَيَّبَ منهما عِلَّةً مُوجبةً، والظَّاهِرَ البادي سَبَبًا مُخَيِّلًا، وقد اصْطَلَح الناسُ خَواصُّهم وعَوامُّهم [32] على أنَّ الظاهرَ منهما لا يُتْرَكُ للباطِن، والكلامُ في هذا يطولُ، والقدر [33] الذي ذكرناه [34] منه يكفي الفَهِمَ المُوَفَّق.
[1] (فقعد وقعدنا حوله) سقط من (ط) .
[2] (ما) سقطت من (ط) .
[3] في (ف) : (كتب لها مكانها) .
[4] (منا) سقطت من (أ) و (ر) و (م) .
[5] في (أ) و (م) : (فيصير) .
[6] (عمل) سقطت من (أ) .
[7] في الفروع: (ومن كان من) .
[8] في (ط) : (شقاوة) وفي (م) : (من عمل أهل الشقاوة) .
[9] في (م) : (فيصير) .
[10] في (ط) : (شقاوة) .
[11] في (أ) و (م) : (فسييسرون) .
[12] في (م) : (فسييسرون) .
[13] (وأما أهل الشقاوة ... الشقاوة) سقط من (أ) .
[14] قوله: (ثم قرأ) زيادة من الفروع.
[15] في (ف) : (تحت) .
[16] في (أ) : (تبطيل) .
[17] في (م) : (إيمانهم) .
[18] في (م) : (عن علم غيب الله) .
[19] في الفروع: (فراموا) .
[20] في غير الفروع: (هي) .
[21] في (م) : (الموجبة العلة) .
[22] في الفروع: (عوملوا به) .
[23] في (ر) و (ف) و (م) : (هذا) .
[24] في (ر) و (م) : (حُقوقهم) .
[25] في (ط) : (عليهم) .
[26] في (م) : (والخرف) .
[27] في (م) : (فيستكملون) .
[28] في الفروع: (وهذا في الظاهر) .
[29] (فيهم) سقطت من (ط) .
[30] في (م) : (والأمر) .
[31] قوله: (مع الأمر بالكسب ... في العمر) سقط من (ط) .
[32] في الفروع: (الخاصُّ والعَامُّ) .
[33] قوله: (القدر) زيادة من (ط) .
[34] في (ر) و (ف) : (ذكرنا) .