فهرس الكتاب
305/ 1443 - 1444 - قال أبو عبد الله: حدَّثنا أَبُو اليَمانِ، قال: حدَّثنا شُعَيْبٌ «قال» : حدَّثنا أبُو الزِّنادِ: أنَّ عَبْدَ الرَّحْمنِ حدَّثَهُ:
أنَّهُ سَمِعَ أبا هُرَيْرَةَ: أنَّهُ سَمِعَ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «مَثَلُ البَخِيلِ والمُنْفِقِ، كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ
[1] ، عَلَيْهِما
ص 251
جُبَّتانِ مِنْ حَدِيدٍ، مِنْ ثُدِيِّهِما إلىَ تَراقِيْهِما، فَأَمَّا المُنْفِقُ: فَلا يُنْفِقُ إلَّا سَبَغَتْ [2] _أَوْ: وَفَِرَتْ_ علىَ جِلْدِهِ، حَتَّىَ تُخْفِيَ [3] بَنانَهُ، وَتَعْفُوَ أَثَرَهُ، وَأَمَّا البَخِيلُ: فَلا يُرِيدُ أَنْ يُنْفِقَ شَيْئًا إلَّا لَزِمَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَكانَها، فهو يُوَسِّعُها وَلا تَتَّسِعُ».
قلت: هذا مثلٌ ضربه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم للجَوادِ المُنْفِق، والبخيل المُمْسِكِ، وشَبَّهَهُما برجَلين أراد كُلُّ واحدٍ منهما أن يلبس دِرْعًا يَسْتَجِنُّ [4] بها، فَصَبَّها على رأسه [5] لِيَلْبَسَها، والدِّرْعُ أوَّلُ مَا يُلْبَس إنَّما يقع على مَوْضع الصَّدْر والثَّدْيين إلى أن يَسْلُكَ لابِسُها يَدَيْه في كُمَّيْها، ويُرسِلُ ذَيلَها على أَسْفل بدنه، فَيَسْتَمِرَّ سُفلًا، فجعل النبيُّ [6] صلى الله عليه وسلم مَثَل المنفق مَثَلَ مَنْ لَبِسَ دِرْعًا سَابِغَةً فاسْتَرْسَلَت عليه حتَّى سَتَرت جميعَ بدنه وحَصَّنَته، وجَعَلَ البَخيلَ كرجُلٍ كانت يَداه مَغلُولَتين إلى عُنْقه، نَاتئتين دُون صَدْره، فإذا أرادَ لُبْسَ الدِّرْع حالت يداه بينهما وبين أن تَمُرَّ سُفْلًا على البدن، واجتمعت في عُنْقه، فَلَزِمَتْ تَرْقُوتَه، فكانت ثِقَلًا ووَبَالًا عليه من غير وِقايةٍ له، أو تَحصِينٍ لبدَنه.
وحقيقةُ المعنى: أنَّ الجوادَ إذا هَمَّ بالنَّفَقة اتَّسَعَ لذلك صَدْرُه، وطَاوَعَتْه يَدَاه، فامْتَدَّتَا بالعطاء والبَذْل، وأنَّ البخيلَ يَضيقُ صَدْرُه، وتَنْقَبِضُ يَده عن الإنفاق في المعروف والصَّدَقة، وإلى [7] نحوٍ من هذا المعنى أُشيرَ _والله أعلم_ في قوله عزَّ وجلَّ: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء} [المائدة: 64] .
وقوله في هذه الرواية: (حتَّى تُخْفِيَ بنانَه) الرواية الصحيحة: (حتَّى تُجِنَّ بنانَه) ، هكذا حَدَّثناه ابنُ الأعرابيِّ، قال: حدَّثنا سَعْدانُ بنُ نَصْر، قال: أخبرنا سُفيانُ بنُ عُيَيْنة [8] ، عن أبي الزِّناد، عن الأَعْرج، عن أبي هريرة، يَبْلُغُ به النبيَّ صلى الله عليه وسلم، مثله [9] فقال فيه: «حتَّى تُجنَّ بَنَانَه» [10] ؛ أي: تَسْتُرها [11] ، يقال: جَنَّ وأَجَنَّ؛ بمعنىً واحدٍ.
[1] في (م) : (رجل) .
[2] في (أ) : (إلا اتسعت) .
[3] في (أ) : (تجن) .
[4] في (ط) (ليستجن) .
[5] في الأصًل (رأسها) والمثبت من (ط) .
[6] قوله: (النبي) زيادة من (ط) .
[7] في (ط) : (وفي) .
[8] (بن عيينة) سقط من (ط) .
[9] قوله: (مثله) زيادة من الفروع.
[10] انظر: البخاري رقم 5299، عن أبي هريرة.
[11] في (م) : (لسترها) .