فهرس الكتاب
316/ 1477 - قال أبو عبد الله: حدَّثنا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْراهِيمَ، قال: حدَّثنا إِسْماعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ، قال: حدَّثنا خالِدٌ الحَذَّاءُ، عن ابْنِ أَشْوَعَ، عن الشَّعْبِيِّ، قال: حدَّثني كاتِبُ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قالَ:
كَتَبَ مُعاوِيَةُ إلى المُغِيرَةِ أَنِ: اكْتُبْ إِلَيَّ بِشَيْءٍ سَمِعْتَهُ مِنَ رَسُولِ اللهِ
[1] صلى الله عليه وسلم. فَكَتَبَ إِلَيْهِ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ [2] صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «إِنَّ اللهَ [3] كَرِهَ لَكُمْ ثَلاثًا: قِيلَ وَقالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤالِ وَإِضاعَةَ المالِ» .
قوله: (كَرِهَ قيلَ وقَالَ) يُتَأوُّل على وجهين [4] :
أحدُهما: أَنْ يُرادَ [5] به كثرة [6] حِكاية أقاويلِ [7] الناس وأَحَاديثهم، والبَحْثِ عنها، والتَّتَبُّعِ لها، فَتنْمِي [8] عليهم، فَيُقال: قال فُلانٌ كَذا، وقيلَ لفُلان [9] كذا؛ مِمَّا لا يُغْني ولا يُجْدِي خيرًا، إنَّما هو الوُلُوعُ بها، والشَّغَفُ بذِكْرها [10] ، وهو من باب التَّجَسُّسِ المَنْهِيِّ عنه.
وقد يُتَأوَّلُ أيضًا على مَا كانَ منه [11] في أَمْرِ الدِين، فيقول: قِيلَ فيهِ كَذَا، وقال فُلانٌ كَذَا، لا يَرْجِعُ فيه إلى ثَبَتٍ يَقينٍ، لكن يُقَلِّدُ ما يَسْمَعُه، ولا يَحتاطُ لِمَوْضِعِ اخْتِيَارِه [12] من تِلْكَ الأقاويل والمذاهب [13] ، فلا يَعْتَقِدُ صِحَّتَها بِحُجَّةٍ وبيانٍ.
وأمَّا (كثرة السُّؤال) : فإنَّه يَدْخُلُ فيها أُمُورٌ [14] :
منها [15] : سُؤالُ النَّاسِ أَمْوالَهم، والتَّعَرُّضُ لِمَا في أيديهم [16] ، والاسْتِكْثَارُ منه على مَذْهَب الشَّرَه والجَشَعِ، وتَرْكُ الاقْتِصار منه على قَدْرِ الحاجة في حال الضَّرُورة.
ص 266
ومنها: أن يكونَ ذلك في سُؤالِ المَرْءِ عَمَّا نُهِيَ عنه من مُتَشَابِه أُمُور الدِّين [17] التي قد تَعَبَّدنا بالظاهر منها، فلا يَعْرِفُ عِلَلَها على مَذاهِب [18] أَهْلِ الزَّيْغِ والتَّشَكُّكِ وبُغَاةِ [19] الفِتْنَة الذين وصفهم اللهُ في قوله عزَّ وجلَّ: {فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ} [آل عمران: 7] .
ومنها: ما [20] كانُوا يَسْأَلُون عنه رسولَ الله صلى الله عليه وسلم من أمُورٍ لم يكن بهم إليها حَاجَةٌ [21] ، فَتَنْزِل بهم البَلْوى [22] فيها، كمن [23] سأل عن الرَّجل يجد مع أَهْلِه رجلًا، قالَ سَهْلُ بن سَعْد السَّاعِديُّ، فكَرهَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم المسَّائلَ وعابَها، فَرُوِي أنَّ الرجلَ لم يَلْبَثْ أن ابْتُلي بذلك [24] .
وكما رُوِي من قيام الرَّجُلِ إليه فقال: مَنْ أبي يا رسولَ اللهِ [25] ؟ فَغَضِبَ، وقال: فُلاَنٌ ( [26]
وكمَا رُوي أنَّه قال: «إنَّ أَشَدَّ الناس جُرْمًا [27] في الإسلام مَنْ سَأَلَ عن أَمْرٍ لم يكن حُرِّمَ فَحُرِّمَ لأَجْلِ مَسْألته» [28] .
قلت: وَقد جَاءت المسائلُ في كتاب الله عزَّ وجلَّ على ضَرْبين:
أحدُهما: مَحمودٌ، كقوله [29] تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} [30] [البقرة: 189] ، {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ} الآية [البقرة: 222] {وَيَسْأَلُونَكَ [31] مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ} [البقرة: 219] في نحوها من الأشياء التي بهم [32] حَاجَةٌ في إقامةِ أمْرِ دينِهم، وإليها مَرْجِعُ [33] قوله عزَّ وجلَّ: {فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} [النحل: 43] .
والضَّربُ الآخر: منهما مَذْمُومٌ، كقوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا. فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا. إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا} [النازعات 42] ، {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلًا} [الإسراء: 85] . وما أَشْبَه ذلك [34] مِمَّا لا ضَرُورَةَ بهم إلى عِلْمِه، وإليه مَرْجِعُ [35] قولهِ [36] تعالى: {لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} [المائدة: 101] وأمَّا قوله: (وإضَاعَةَ المَالِ) فهي على وُجُوهٍ، جماعُها الإسْرافُ في النَّفقة، وَوَضْعُه في غير موضعه، وصَرْفُه عن وَجْه الحاجَةِ
ص 267
إلى غَيرِه، كالإسْراف في النَّفَقَة على البناء، ومُجاوَزةِ حَدِّ الاقتصاد فيه، وكذلك اللِّبَاسِ والفَرْشِ، وتمويهِ الأبنية [37] بالذَّهَبِ، وتَطْريزِ الثياب، وتَذْهيب سُقُوفِ البيُوتِ، فإنَّ ذلك على ما فيه من التَّزيُّن [38] والتّصَنُّع [39] إذا استعمل مَرَّة لم [40] يُمْكن بعدَ ذلك تَخْليصه [41] وإعادته إلى أصله [42] حتَّى يكونَ مالًا قائمًا.
ومن إضاعَة المالِ تَسليمه إلى مَنْ ليس برَشيد [43] ، وفيه إثباتُ الحَجْر على المُفسِدِ لماله.
ويدخلُ في إضاعة المال احتمالُ الغَبْن في البياعات ونحوها من المعاملات.
ومن إضَاعَة المالِ سُوءُ القيام على ما يَملِكُه [44] من المالِ، كالرَّقيق والدَّوابِّ ونحوها [45] التي إذا لم يَتَعَّهدْها ضَاعَت.
ويَدْخُل في النَّهي عن إضاعةِ المالِ قِسْمَةُ مَالا يَنْتَفِعُ به الشَّريك القاسم إذا تَفَرَّدَ نَصِيبُه [46] ، كاللُّؤُلُؤة، والسَّيف، والحَمَّام، والطاحُونة، ونحوها من الأشياء، فإنَّ القِسْمَةَ في جميعها باطِلَةٌ، لأنَّها إضَاعةٌ للمال غيرُ مُفيدةٍ نفعًا، ولا مُثْمِرةٍ خيرًا.
وفيه وَجْهٌ آخر، ومَذْهَبٌ ثانٍ: وهو أنْ يَتَخَلَّى [47] الرجلُ من مِلْكه [48] وهو مُحتاجٌ إليه، وهو أن يُنْفِقَه، أو يَتَصَدَّقَ به، أَوْ يُطْعِمَه الناسَ، يُريدُ به المعروف، ولعلَّه قد يكون عليه الدَّيْنُ يَلْزَمُه أن يَخْرُجَ إلى أصحابه منه، فهذا قد ضَيَّعَ مالَه وأموالَ [49] أَصْحاب الحقوق التي عليه، فأمَّا صَنيعُ أبي بَكْر _ رضي الله عنه _ في التَّخَلِّي من مَالِه كُلِّه [50] ، فإنَّه لا يَدْخُل في [51] هذا؛ لأنَّا قد اسْستَثْنَينا فيما قُلناه مَوْضِعَ [52] بقاءِ الحَاجَة من صاحِبهِ [53] إليه، وكان أبو بكر غَنِيًّا عَمَّا أخرجَه من [54] يده، غيرَ مُحتاجٍ إليه؛ لِقُوَّة صَبْرِهِ، وحُسْنِ تَوَكُّلِه، ومَنْ في الأُمَّة مِثْلُه حتَّى يُقْرَنَ به أَوْ يُقَاسَ إليه؟ وإنَّما أَنْفَقَه على رسول الله صلى الله عليه وسلم في وَقْتِ خَلَّةِ الدِّين، وحَاجَةِ المُسلمين، في زَمَانٍ لاَ مَالَ لهم غيرُ [55] ماله، ولا خَليلَ يقومُ لهم في مِثْل مقامه.
وقد يُحتمل أن يُتأوَّل
ص 268
معنى إضَاعة [56] المال على العَكْس مِمَّا تقدَّم ذِكْرُه من الوُجُوه، بأن يُقالَ: إنَّ إضَاعَةَ المال حَبْسُه عن حَقِّه، والبُخْلُ به على أَهلِه، على معنى قول [57] بعض حُكماء الشعراء فيه:
~وَمَا ضَاع مَالٌ أَوْرَثَ المَجْدَ أَهْلَه ولكنَّ أَمْوالَ البخيل تَضِيعُ [58]
[1] في (ف) : (النبي) .
[2] في الفروع: (رسول الله) .
[3] قوله: (إن الله) سقط من (م) .
[4] في (أ) و (م) : (له تأويلان) وفي (م) (له تأولًا) .
[5] في (ط) : (يريد) .
[6] قوله: (كثرة) زيادة من الفروع.
[7] في الفروع: (أقوال) .
[8] في الفروع: (لتنمي) .
[9] في الفروع: (وفلان) .
[10] قوله (مما لا يغني .. بذكرها) سقط من (ط) .
[11] في الفروع: (والآخر أن يكون) .
[12] في الفروع: (الاختيار) .
[13] في (أ) : (المذهب) .
[14] في الفروع: (له وجوه) .
[15] في الفروع: (أحدها) .
[16] في الفروع زيادة: (من الحطام بالحرص) .
[17] في الفروع: (متشابه الأمور) .
[18] في الفروع: (مذهب) .
[19] في الفروع: (وابتغاء) .
[20] في الفروع: (أو يكون على ما) .
[21] في الفروع: (من غير حاجة بهم إليه) .
[22] في (ف) : (البلوى بهم) .
[23] في (ط) : (لمن) .
[24] انظر: البخاري رقم (5308) ، عن عاصم بن عديّ الأنصاري.
[25] في (ط) زيادة: (عليه السلام) .
[26] انظر: البخاري رقم (92) ورقم (7292) عن أبي موسى الأشعري.
[27] في (أ) : (حزنًا) .
[28] انظر: البخاري رقم (7289) عن سعد بن أبي وقَّاص.
[29] في (ط) : (لقوله) .
[30] هذه الآية ليست في (ط) .
[31] في الأصل و (ط) والفروع: (يسألونك) بدون واو.
[32] في الفروع: (ونحوه مما بهم إليه) .
[33] في الفروع: (وبذلك أمروا في) .
[34] في الفروع: (ونحوه) .
[35] في الفروع: (يرجع) .
[36] في (ط) : (كقوله) .
[37] في الفروع: (الآنية) .
[38] (التزين) غير واضحة في الأصل، والمثبت من (ط) .
[39] في (ف) و (م) : (فإنه من التصنع والتضييع) .
[40] في الفروع: (لا) .
[41] في الفروع زيادة: (منه) .
[42] في (م) : (أهله) .
[43] في الفروع: (إلى غير رشيد) .
[44] في (أ) : (ما لا يملكه) .
[45] في الفروع: (ونحوه) .
[46] في الفروع: (انفرد بحصته) .
[47] في (م) : (أن يتحمل) .
[48] في الفروع: (من ماله) .
[49] في (أ) و (ف) : (ماله ومال) وفي (م) : (عمله ومال) .
[50] انظر: سنن أبي داود رقم (1678) عن عمر بن الخطاب.
[51] في الفروع: (لا يشبه) .
[52] في الفروع: (قلنا مع) .
[53] في الفروع: (حاجة صاحبه) .
[54] في (م) : (عن) .
[55] في الفروع: (إلا) .
[56] في الأصل: (الإضاعة) والمثبت من (ط) .
[57] في الفروع: (كما قال) .
[58] البيت بلا نسبة في عمدة القاري (7/ 318) .