فهرس الكتاب

الصفحة 666 من 2203

345/ 1584 - قال أبو عبد الله: حدَّثنا مُسَدَّدٌ، قال: حدَّثنا أَبُو الأَحْوَصِ، قال: حدَّثنا أَشْعَثُ، عن الأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ:

عن عائشة رضي الله عنها، قالَتْ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عن الجَدْرِ أَمِنَ البَيْتِ هُوَ؟ قالَ: «نَعَمْ» . قُلْتُ: فَما لَهُمْ

[1] لَمْ يُدْخِلُوهُ فِي البَيْتِ؟ قالَ: «إِنَّ قَوْمَكِ قَصَّرَتْ بِهِمُ النَّفَقَةُ» . قُلْتُ: فَما شَأنُ بابِهِ مُرْتَفِعًا؟ قالَ: «فَعَلَ ذَلِكِ قَوْمُكِ؛ لِيُدْخِلُوا مَنْ شاؤُوا وَيَمْنَعُوا مَنْ شاؤُوا [2] ، وَلَوْلا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ [3] بِالجاهِلِيَّةِ، وأَخافُ أَنْ تُنْكِرَ قُلُوبُهُمْ لنظرت [4] أَنْ أُدْخِلَ الجَدْرَ فِي البَيْتِ، وَأَنْ أُلْصِقَ بابَهُ بِالأَرْض» .

(الجَدْرُ) : الجِدَارُ، وأراد به الحِجْرَ.

وفي الحديث [5] دليلٌ على أنَّ بعضَ الَواجِبَات قد يجوزُ تَرْكُه ما لم تكن فَرِيضةً لاَزِمةً إذا كان يُخَافُ عند فِعْلِه أن يَتَوَلَّد منه فَسَادٌ [6] ، ورُجِّيَ

ص 287

في تَرْكِهِ نَفْعٌ أَو صَلاحٌ.

وفي قوله: (وأَنْ أُلِصَق بَابَهُ بالأرضِ) بَيَانُ [7] أنَّ الناسَ غَيرُ مَحْجُوبين في حَقِّ الدِّين من دُخُولِ البَيْتِ أَيَّ وَقْتٍ [8] شَاؤُوا، ولكنَّه صلى الله عليه وسلم إذْ لم يَفْعَلْ ذلك، وتَرَكَ أَمْرَهُ [9] على ما كان عليه في قَديمِ الدَّهْرِ، وسَلَّمَ مِفْتَاحَهُ إلى بني عبد الدَّار، وقال: «خُذُوها خَالِدَةً تَالِدَةً.» [10] ثمَّ قال في خُطْبَته: «أَلاَ إنَّ كُلَّ دَمٍ وَمَأثُرَةٍ تحتَ قَدَمَيَّ إلَّا سِقَايَةَ الحَاجِّ وسِدِانَة البَيْت.» [11] فإنَّه لا يَجُوزُ لأَحَدٍ أَنْ يَنْزِعَهُمَا من أيديهم، أو يَحُولَ بَينَهم وبين ذلك، ولكن عليهم أَنْ يَحْفَظُوه حِفْظَ صِيَانَةٍ، وأَنْ لاَ يَحْبِسُوا النَّاسَ عنه حَبْسَ مَنْعٍ وحِمَايَةٍ.

وإذا كان الحِجُرُ هو جُزْءًا من البَيتِ لا يَحِلُّ لأَحَدٍ أَنْ يَحْجُبَ النَّاسَ عنه كان دَاخِلُ البَيتِ بِمَثَابَتِهِ، لاَ فَرْقَ بينهما، وقد قال تعالى: {سَوَاء [12] الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ} [الحج: 25] .

فأمَّا ما يأخذُه السَّدَنَةُ من النَّاسِ مِنْ جُعْلٍ على فَتْحِ بَابِهِ، والإذْنِ في دُخُولِهِ [13] فإنَّه لاَ يَطِيبُ لهم، وإنَّما يَجِبُ أَجْرُهم فيما يَتَوَلَّوْنَهُ مِنْ عِمَارَتِهِ، وتَحصِينِ بِنائه [14] وكَنْسِه وتَنْظِيفِه وكِسْوَته وطِيبِه [15] وسَائر مصالِحِه في بيت المال من الخُمْس.

وقد رُوي عن أبي العالية الرِّيَاحيِّ في قول الله عزَّ وجلَّ: {وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ} [16] [الأنفال: 41] الآية. قال [17] : السَّهْمُ المُضَافُ إلى الله إنَّما هو للكَعْبَةِ بيتِ الله [18] .

وقال أكثرُ أهل العلم: إنَّما هو افْتِتَاحُ كَلامٍ [19] بُدِئ فيه [20] بذكر الله عزَّ وجلَّ على سبيلِ التَّبَرُّكِ، وأُضِيفَ هذا المالُ إليه لِتَشَرُّفِهِ وطِيِبهِ، وإنَّما يُضَافُ إلى اللهِ تعالى مَعَاِلي الأُمُورِ ومَحَاسِنُها، وسَهْمُ اللهِ ورسُوله واحدٌ.

قلتُ: وقولُ أبي العالية قولٌ حَسَنٌ، وعلى هذا القياس أَمْر المَسَاجِدِ والمَشَاهِدِ والمَرابطِ [21] والمنازل التي يَنتابُها النَّاسُ لإقامَةِ عِبَادَةٍ، أو لِنَفْعٍ بارْتِفاقٍ [22] ، وكذلك [23] الآبَارُ العَادِيَةُ والحِيَاضُ والبِرَكُ في المَفَاوِز والبَوادِي المُسَبَّلة، فإنَّ كُلَّ مَنْ حَالَ بينَها وبَيْنَ النَّاس إلَّا بِجُعْلٍ أَوْ نَوْلٍ يَأخُذُهُ منهم كانت يدُهُ

ص 288

مَقَصُورَةً، إلَّا أن يكونَ للقَيِّمِ [24] الذي يَتَوَلَّاها صُنْعٌ أو عَمَلٌ، كَسَقْي الماءِ للوَارِدَةِ، وتَنْظيفِ المكان للنازلَةِ، ونحوها من الأُمور، فإنَّ أَجْرَ العاملِ في ذلك يَلْزَمُ مَنِ اسْتَعْمَلَهُ في ذلك، واسْتَأَجَرَه عليه.

[1] (لهم) سقطت من (ط) .

[2] (ويمنعوا من شاؤوا) سقطت من (ط) .

[3] في الفروع: (عهد) .

[4] (لنظرت) سقطت من الفروع.

[5] في الفروع: (وفيه) .

[6] في الفروع: (إذا خيف منه تولد فساد) .

[7] في الفروع: (وفيه) .

[8] في الفروع: (عن البيت في حق الدين متى) .

[9] في (ف) : (تركه) .

[10] انظر: المعجم الكبير للطبراني رقم (11234) ، عن ابن عباس مرفوعًا.

[11] انظر: سنن أبي داود رقم (4547) ، عن عبد الله بن عمرو.

[12] هكذا في الأصل، وهي قراءة الجمهور سوى حفص.

[13] في الفروع: (الدخول فيه) .

[14] في الفروع: (تحصينه وعمارته) .

[15] في الفروع: (وتطييبه) .

[16] في (م) : (وللرسول) وفي (ف) : (وللرسول ولذي الفربى) .

[17] في الفروع: (فإن) .

[18] انظر تفسير القرطبي 8/ 10

[19] انظر: تفسير الطبري 13/ 548، والمستدرك للحاكم 2/ 128.

[20] في (ط) : (به) .

[21] في الفروع: (والربط) .

[22] في الأصل: (ارتفاع) ، والمثبت من (ط) وفي الفروع: (وارتفاق) .

[23] في الفروع: (ونحوه) .

[24] في (م) : (للمقيم) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت