424/ 2051 - قال أبو عبد الله: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، قال: أخبَرنا سُفْيانُ، عن أَبِي فَرْوَةَ، عن الشَّعْبِيِّ:
عنِ النُّعْمانِ بنِ بَشِيْرٍ، قالَ: قالَ النَّبِيُّ
[1] صلى الله عليه وسلم:
ص 326
«الحَلالُ بَيِّنٌ والحَرامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُما أُمُورٌ مُشْتَبِهَةٌ، فَمَنْ تَرَكَ ما شُبِّهَ عَلَيْهِ مِنَ الإِثْمِ كانَ لِما اسْتَبانَ أَتْرَكَ، وَمَنِ اجْتَرَأَ علىَ ما يَشُكُّ فِيهِ مِنَ الإِثْمِ أَوْشَكَ أَنْ يُواقِعَ ما اسْتَبانَ، والمَعاصِي حِمَى اللهِ، مَنْ يَرْتَعْ حَوْلَ الحِمَىَ يُوشِكْ أَنْ يُواقِعَهُ [2] » .
قلت: هذا الحديث أصل [3] في باب [4] الورع، وفيما يجتنب من الشُّبه، وكلُّ شيءٍ أشبه الحلالَ من وجهٍ والحرامَ من وَجهٍ فهو شُبهَةٌ، والوَرَع أنْ يُجتَنبَ [5] فلا يُقرَب. وهو معنى ما رُوي عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم من قوله: «دَعْ مَا يُريبكَ إلى مَالاَ يُريبك» [6] .
وتأويل قوله: (الحلالُ بينٌ والحرامُ بينٌ) على معنيين:
أحدهما: أن يكون ذلك في كُلِّ شيءٍ من المأكولِ والمشروب والملبوس، وغيرها مِمَّا يملكُه الآدميُّون، إذا تَيَقَّنَ أنَّ ذلك كان مِلكًا له، فإنَّه على يقين مِلكِهِ في ذلك، لا يزول عن أصله إلَّا بيقينِ زوالِ الملكِ [7] .
والحرَام البيِّنُ: هو مالُ غيرهِ، وامرأةُ غيره، وخادمُ غيره، لا يَسْتَحِلُّ شيئًا من ذلك إلَّا بشرطِهِ من نكاح أو ملك يمينٍ أو هبةٍ، أوْ صَدَقةٍ أو غير ذلك [8] .
وما بين ذلك فهو مالم يَتَقدَّمْ له أصلٌ من هذين الوَجهين تحليل ولا تحريم [9] بِتيقُّنِهِ، كالشيء [10] يجده في بيته وفي حيِّزه، فلا يدري هو ملكه أو مال غيره، [11] فالوَرَعُ أن يجتنبه، ولا يَحرمُ عليه أن يتناوله [12] ؛ لأنَّ يَدَهُ عليه قائمةٌ.
ومن هذا النحو قوله صلى الله عليه وسلم: «إنِّي لأمُرُّ بالتمرة السَّاقطة فلا آخذها؛ خوفًا أن تكون صَدَقةً» [13] . ورأى تمرةً فقال: «لولا أنِّي أخَافُ أن تكوني من الصَّدَقَة لأكلتكِ» [14] .
وقد يشتَبه على الرجلِ [15] في الليلة المظلمة فيطأ جارية غيره على أنَّها [16] جاريتُه، فيكون ذلك شُبهةً في حُكمِ الحلال، ويلزمه في ذلك المهرُ، ولا يجوزُ أن يُقالَ: إنَّه زانٍ؛ ولا يُحَدُّ فيه، ولو لم يُقْدِم على ذلك حتى يَتَثَبَّتَ في ذلك ويَسْتَبرِئَ الشَّكَّ [17] فيه لكان قد استعمل الوَرَعَ، واحْتَاطَ باليقين في أمره.
والمعنى الآخر: أن يكونَ الشيءُ أصل
ص 327
الإباحةُ أو الحَظْرُ، فما كانَ الأصلُ منه الإباحة كالماء الذي يُتَوَضَّأُ به، والأرض التي يُصَلَّى عليها، ونحو ذلك من الأمور التي وُجدت في أصلِ الفِطرةِ على حُكم الإباحة حتَّى يطرأ عليها ما يُغيِّرها عن حكمها الأوَّل، فإنَّه [18] لا يَضيقُ في مذهب الوَرَع استعماله على وَجْهِهِ، ولا يُستحبُّ اجتنابُه وإدخالُ الرَّيب والشَّكِّ على نفسه فيه، وما كان من ذلك في الأصل ممنوعًا لا يُستباحُ إلَّا بشرائطَ وأسبابٍ قد أُخذَ علينا مُراعاتها فيه وفي الاستمتاع به، كالبهيمة، لا يحلُّ أكلها إلَّا بذكاة، وشرائطها معلومة، والمرأة لا يحلُّ نكاحها إلَّا بالعقدِ، وصِفَةُ ما يَصِحُّ به العَقْدُ خِصالٌ معدودةٌ، فإنَّه لا يجوز استعمالُ هذا النوع منه ولا الاستباحةُ له مالم يُوجد تلك الأسباب مُستوفاةً بكمالها، والوَرَعُ في مثل هذا فَرضٌ واجبٌ [19] .
فأمَّا الورَعُ [20] المُستحَبُّ المندوبُ إليه فهو ما يقعُ بين هذين الأصلين، مثل اجتنابِ مُعاملة مَنْ [21] يجتمعُ في ماله الحلال والحرام، كمن عُرِف بالربا في تجارته، وكمن صناعته صناعة محرَّمة، كاتِّخاذِ آلاتِ اللَّهو [22] ، ونقشِ التماثيل المصوَّرة، وكاليهودِ والنَّصارى الذين يبيعون الخُمور، وإنْ كانت لهم من غير هذه الوجوه أملاكٌ وأموالٌ، فإنَّ قضيَّة الوَرَعِ أن لا يُعامِلَ هؤلاء، ويجتنبَ أكلَ مالِهِم [23] ، وإن كانت في ظَاهرِ الحكم غيرَ مُحرَّمة [24] ، مالم يَتَيَقَّنْ [25] أنَّ الذي يأخُذُهُ منها [26] ثَمنُ العَينِ المحرَّمة.
وأمَّا الورَعُ المكروهُ فهو أن لا يَقْبلَ رُخَصَ اللهِ تعالى التي رَخَّصَ لعبادهِ فيها، وخفَّف عنهم العِبادةَ فيها، كالإفطار في السَّفر، وقَصْرِ الصلاة فيه، وتركِ إجابة الدَّاعي، ورَدِّ الهدية، و التشدُّدِ والتَّشَكُّكِ [27] بحكم الخواطر [28] التي جماعُها العَنَتُ والضِّيقُ والحَرَجُ.
وجملة أمر الوَرَعِ أنَّه إنَّما يقعُ في باب غالبِ الإمكان لا في نادرِهِ، فإنَّ رجلًا من خُراسانَ
ص 328
لو دخل بغدادَ [29] ، فأراد أن يتزوَّجَ امرأةً مِن عُرضِ النساء لم يكن عليه حَظْرٌ في مَذهبِ أحَدٍ من العلماء، وقد يمكن _ولا يَستحيلُ_ أن يكونَ أبُوهُ أو جَدُّه قد كان دَخَلَها في مُتَقَدَّمِ الأيَّامِ من حيثُ لم يَعلمْ هذا الرجلُ، ولا بَلغهُ خبرهُ، فَتَزوَّج بها امرأة ودَخَلَ بها، وَوَلدت منه ابنةً [30] ، فتكون هذه المنكوحة أختًا له، أو عمَّةً له، إلَّا أنَّ مثلَ هذا الإمكان من حيثُ لم يكن غالبًا، بل كان شيئًا نادِرًا، لم يُعتبرْ في أبواب الوَرَعِ ولم يدخل فيها، لكنَّه من باب العَنَتِ والحَرَجِ المَوضوعين عَنِ المسلمين بحقِّ الدين.
فهذه أقسامُ الوَرَعِ وأبوابُه، والحديث أصل في رياضة النفوس وإصلاح الأولاد، من الأخلاق، وكَفِّ النَّفس عن الشَّهوات والانقطاعِ عن مَسَاوئ العاداتِ.
[1] في (ف) : (رسول الله) .
[2] في (أ) : (أن يقع فيه) .
[3] في (أ) : (له أصل) .
[4] قوله: (باب) زيادة من الفروع.
[5] في الفروع: (اجتنابه) .
[6] انظر: سنن الترمذي (2518) ، عن الحسن بن علي.
[7] في الفروع: (الحلال البين ما علم ملكه يقينًا لنفسه) .
[8] في الفروع: (والحرام البين ما علم ملكه لغيره يقينًا فلا يتناوله) .
[9] في (ط) : (تحريم ولا تحليل) .
[10] في الفروع: (والشبهة ما يجده) .
[11] في الفروع: (أهو له أم لغيره) .
[12] في الفروع: (وإن تناوله لم يحرم عليه) .
[13] انظر: سنن أبي داود رقم (1651) ، عن أنس بن مالك.
[14] في الفروع: (فمن هذا النحو مروره صلى الله عليه وسلم بالتمرة الساقطة وقوله: لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها) وانظر البخاري رقم (2431) ، عن أنس بن مالك.
[15] في (ط) : (المرء) .
[16] في (ط) : (أنه) .
[17] في (ط) : (للشك) .
[18] سقط من (ط) (إنه) وما بعدها من الكلام في شرح هذا الحديث، إلى نهاية الكلام في شرح الحديث رقم (2190) .
[19] في الفروع: (والورع في الحقيقة على ثلاثة أقسام قسم منها واجب وهو الذي قدمناه) .
[20] في (م) : (فأما القسم) .
[21] في الفروع زيادة: (من أكثر ماله حرام أو) وفي (أ) زيادة: (من هو أكثر .. ) .
[22] في الفروع: (كالملاهي) .
[23] في الفروع: (فالمستحب ترك معاملتهم في الورع) .
[24] في الفروع: (فلا يحرم) .
[25] في الفروع: (يعلم) وفي (م) بعدها زيادة: (أو يعلمه) .
[26] في الفروع: (أعطاه من) .
[27] في الفروع: (ولا يجيب .. ولا يقبل .. ويتشدد .. ويتشكك) .
[28] في الفروع: (الظنون والخواطر) .
[29] في (ط) : (ومن الورع المكروه أن يدخل الرجل الخرساني مثلا) .
[30] في الفروع: (بنية) .