فهرس الكتاب
448/ 2140 - قال أبو عبد الله: حدَّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قال: حدَّثنا سُفْيانُ، قال: حدَّثنا الزُّهْرِيُّ، عن سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ:
عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قالَ: نَهَىَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَبِيعَ حاضِرٌ لِبادٍ، وَلا تَنَاجَشُوا، وَلا يَبع
[1] الرَّجُلُ علىَ بَيْعِ أَخِيهِ، وَلا يَخْطُب علىَ خِطْبَةِ أَخِيهِ، وَلا تَسْأَلُ المَرْأَةُ طَلاقَ أُخْتِها لِتَكْفَأَ ما فِي إِنائِها.
أمَّا نَهيُ بيعِ الحاضر للبادي فهو نهي كراهةٍ [2] من أجلِ مَنعِ الناسِ ما يرتفِقُ به بعضهم من بعضٍ في البَياعاتِ [3] ، لا نهي إيجابٍ، وقد جاء في هذا الحديث مقرونًا به من روايةٍ [4] أخرى «دَعُوا الناسَ يرزُقِ اللهُ بعضهم من بعضٍ» [5] وصاحبُ البادية إذا دَخَلَ الحَضَرَ بطعامٍ أو متاعٍ غيره فإنه لا يقيمُ إلَّا رَيثما يَبيعُ الشيءَ وينصرفُ، فإذا توَكَّل له الحَاضرُ، وتربَّصَ بمتاعه [6] حتَّى يَبيعَه، حَرَمَ الناسَ زِيادةَ الرِّفقِ فيه.
وليس هذا بمُخالفٍ لِنَهيه عن تلقِّي الرُّكبَان [7] والنَّظر لهم في أمتعتهم، والاحتياط لأموالهم؛ لأنَّ من تَلَقَّاهم رُبَّما كَذَبَهم عن سِعرِ السُّوق، وخدَعهم عَمَّا في أيديهم، فَيَسْتَنيموا [8] إلى قوله، فيخرجَ الشيءُ من أيديهم بالوَكسِ [9] ، ويكون فيه الغَبنُ الكثيرُ [10] ، وفي ذلك استعمالُ
ص 342
الغِشِّ [11] وتَركُ النُّصحِ [12] لهم.
فأمَّا إذا دَخَلَ البَدوِيُّ البَلَدَ، وشاهدَ السُّوقَ والسِّعرَ، فهو بخلافِ الأوَّل؛ لأنَّ الغِشَّ فيه مَأمونٌ، والغَبنَ مرفوعٌ، وإنَّما هو مَنعُ التجارة الحاضرة بأسعارها الجاريةِ ادِّخارًا للأمتعةِ وتَربُّصًا بها الغلاء، وفيه معنى الحُكرة [13] المَنهيِّ عنها [14] ، فلذلك تَأوَّلَ النهيَ عن تلقي الرُّكبان من تأوَّلَه من الفقهاء على التحريم [15] ، وكان ابنُ عبَّاس يقول في قوله: (لا يَبيعُ حاضرٌ لِبادٍ) : لا يكون له سِمسارًا [16] ؛ يحمله على الأمرين معًا البيعِ والشراءِ. وقال ابن سيرين: هي كلمةٌ جامعةٌ للبيع والشراء [17] .
وقوله: (لا تَنَاجَشُوا) فإنَّ النَّجْشَ أن يزيدَ الرجل في ثمنِ السِّلعة وهو لا يُريدُ شِراءها، ولكن لِيسمَعَهُ غيرهُ فيزيدَ لزيادته، وفيه غُرورٌ وخِداعٌ [18] .
وأصلُ النَّجُشِ: الخَتْلُ [19] ، و التنَّاجُشُ: أن يكون ذلك من اثنين، يفعلُ ذلك من أجل صاحبه لِيكفأَ فيه بمثله إذا كان هو البائع.
وقوله: (ولا يَبعِ الرجلُ على بيعِ أخيه) فإنَّما هو بعدَ أن يَتَعَاقدَا [20] ، وهما في مَجلسِهما [21] قبلَ أن يَتَفَرَّقا، فإذا جاء بمتاعٍ أجوَدَ منه وأرخَصَ في السِّعر، فَعَرضَه على المُبتْاعِ دعته الرَّغبةُ فيه إلى فَسخِ البيع المُتقدمِ، وفي ذلك إضرارٌ بالبائع وإنجاشٌ له.
فأمَّا ما دَامَ المتبايعان مُتَسَاومينِ ومُتَرَاوِدَينِ للبيع، فإنَّ ذلك لا يدخلُ في النَّهي، ولا يُضيِّقُ على مَن فَعَله كَبَيع النَّبي صلى الله عليه وسلم القَدَحَ والحِلسَ فيمن يَزيدُ [22] .
وقوله: (ولا يَخطبْ على خِطبةِ أخيه) فإنَّه هو أيضًا على هذا المعنى، وهو أن يركن أحدُهما إلى الآخر، ويتَوَاضَعا للعقدِ، فأمَّا قبلَ ذلك فلا يُضَيِّقُ عليه، ألا ترى أنَّ النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة بنت قَيسٍ لمَّا جَاءَته تَسْتَشِيرُهُ، وقد خطبها أبو الجَهمِ ومُعاوية: أمَّا أبو الجَهْم فلا يَضَعُ عَصَاهُ عن عَاتِقِه، وأمَّا معاوية فَصُعلوكٌ لا مَالَ له، انِكِحِي أٌسامةَ. قالت: فَتَزَوَّجتُ أسامة، فَاغْتَبَطتُ به [23] .
وقوله:(ولا تسألُ
ص 343
المرأةُ طَلاَقَ أختِها لِتَكفَأَ ما في إنائها)فإنَّ كَفءَ الإناء قَلبُه وتحويلُ ما فيه إلى غيرِهِ، وهو مَثَلٌ [24] يُريد به: الحُظوة عند الزَّوجِ.
نَهَى المرأة إذا رغب فيها الرجلُ وعندهُ إمرأةٌ أن تجعلَ شَرْطَ نِكاحها طَلاَقه امرأته التي عنده، فتكونَ عندَ ذلك في استِبدادها بالحَظِّ منه كمن قَلَبَ مِن إناءِ غيرهِ ما فيه فحازَهُ لنفسه.
[1] في (أ) : (ولا يبيع) .
[2] في (ف) : (كراهية) .
[3] في الفروع: (لأن فيه قطع مرافق الناس) .
[4] في الفروع: (وقد بينه في) .
[5] انظر: سنن ابن ماجة رقم (2176) ، عن جابر بن عبد الله.
[6] في (م) : (لمتاعه) .
[7] انظر: البخاري رقم (21501) ، عن أبي هريرة.
[8] في الفروع: (ليستنيموا) .
[9] (الوَكْسُ) مثال الوَعْدِ: النُّقصان، والوَكسُ أيضًا: التَّنقيص يقال: وَكست فلانًا، أي نقَّصْتُه، وقيل: أي غَبَنْتُه. (التاج_وكس_)
[10] في الفروع: (ويغبنوا فيه الغبن الكير) .
[11] في الفروع: (وفي ذلك غش) .
[12] في الفروع: (نصح) .
[13] (الحُكْرَة) بضم الحاء، وسكون الكاف: احتكارُ الطعام، أي: حَبسهُ عن البيع يتربَّص به الغلاء (عمدة القاري(9/ 340)
[14] انظر سنن أبي داود رقم (3447) ، عن معمر بن عبد الله.
[15] في الفروع: (ولذلك تأول بعض الفقهاء تلقي الركبان على التحريم) .
[16] انظر: البخاري رقم (2158) ورقم (2163) عن ابن عباس.
[17] انظر: سنن أبي داود رقم (3440) ، عن أنس بن مالك وانظر: عمدة القاري (9/ 378)
[18] في الفروع: (ليغر الغير فيشتريه) .
[19] جاء في الفروع هنا زيادة: (كذا قال شيخنا وليس كذلك وإنما أصل النجش الإثارة، قال أبو عبيد: يقال: مر بنا _وفي م صرفنا_ بنجش إذا أثار الغبار في مشيه؛ وكأن الناجش يثير المشترين ويهيِّهجهم لها) .
[20] في الفروع: (إذا كانا تعاقدا) .
[21] في الفروع: (المجلس) .
[22] وانظر: سنن الترمذي رقم (1218) ، عن أنس بن مالك.
[23] اختلفت العبارة في الفقرتين الأخيرتين والمعنى واحد، وانظر: سنن أبي داود رقم (2284) ، عن فاطمة بنت قيس.
[24] في الفروع: (وذلك مثل ضربه لها) .