5/ 9 - قال الإمام أبو عبد الله
[1] : حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حدَّثنا أَبُو عامِرٍ [2] العَقَدِيُّ، قَالَ: حدَّثنا سُلَيْمانُ بنُ بِلالٍ، عن عَبْدِ اللهِ بنِ دِينارٍ، عن أَبِي صالِحٍ:
عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «الإِيمانُ بِضْعٌ وسِتُّونَ شُعْبَةً، والحَياءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمانِ» .
وقد [3] رواه سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، فقال: «بضع وسبعون بابًا [4] » . ولم يذكرهُ أبو عبد الله؛ لأنَّ سُهيلًا ليس من شرطه.
حدَّثناه ابنُ الأعرابيِّ، قال حدَّثنا العبَّاس بن عبد الله التَّرقُفيُّ، قال: حدَّثنا محمد بن يوسف الفريابيُّ، قال: حدَّثنا سفيان، عن سهيل، عن عبد الله بن دينار، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الإيمانُ بضعٌ وسبعون بابًا، أفضلُها شهادة أن لا إلهَ إلَّا الله، وأدناها إماطةُ الأذى عن الطريق، والحياءُ شعبةٌ من الإيمان.» [5]
وحدَّثنا إسماعيل بن محمَّد الصَّفَّار، قال: حدَّثنا الحسن بن مُكرم، قال: حدَّثنا عليُّ بن عاصم، قال: حدَّثنا سهيل، عن عبد الله بن دينار، حدَّثني أبوك_ أبو صالح_ عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم مِثلَه، إلَّا أنَّه [6] قال: «أوَّلُها لا إله إلَّا الله.»
فقد ثبت برواية سليمان بن بلال التي اعتمدها أبو عبد الله، ثمَّ بمتابعة سهيل إيَّاه في روايته أنَّ الإيمانَ اسمٌ ينشعب [7] إلى أمور ذات عدد، جماعُها الطاعة؛ ولهذا مَنْ صار من العلماء [8] إلى أنَّ الناسَ متفاضلون في دَرَج الإيمان، وإن كانوا متساوين في اسمه، وكان بدءُ الإيمان كلمة الشهادة، وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بضع عشرة سنة يدعُو الناسَ إليها، ويُسمِّي مَنْ أجابه إلى ذلك مؤمنًا، إلى أن نزلت الفرائض بعدُ، وبهذا الاسم خوطبوا عند إيجابها عليهم، قال الله تعالى:
ص 21
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ} [المائدة: 6] وقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ [9] } [الحج: 77] .
وهذا الحكم مستمِّر في كلِّ اسم يقع على أمر ذي شعب وأجزاء، كالصلاة والحجِّ ونحوهما، فإنَّ رجلًا لو مرَّ على مسجد وفيه قوم، فيهم مَنْ يستفتح الصلاة، وفيهم مَنْ هو راكع أو ساجد، فقال: رأيتهم يصلُّون، أو وجدتهم مُصلِّين. كان صادقًا في قوله، مع اختلاف أحوالهم في الصلاة، وتفاضل أفعالهم منها، وكذلك هذا في مناسك الحجِّ، ولو أنَّ قومًا أُمروا بدخول دارٍ، فدخلها أحدٌ، فلمَّا تَعتَّب [10] البابَ أقام مكانه، وجاوزه الآخر حتَّى دخل صَحْنَ الدار، وأمعن في الدُّخول إلى البيوت والمخادع كانَا في انطلاق اسم دخول الدار عليهما متساويين، مع اختلاف أحوالهما في القلَّة والكثرة منه، وعلى هذا سائر نظائرها وَأشكالها؛ ويؤيِّد القولَ بأنَّ الإيمانَ ذُو شُعب ما روِّيناه عن النعمان بن مُرَّة الأنصاريِّ.
حدَّثنا ابنُ الأعرابيِّ، قال: حدَّثنا محمَّد بن عبد الملك الدَّقيقيُّ، قال: حدَّثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا يحيى بن سعيد الأنصاريُّ: أنَّ النعمان ابن مُرَّة الأنصاريَّ [11] أخبره: أنَّ رجلًا ذَكَرَ عند رسول الله صلى الله عليه وسلم الحياءَ، فقال صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الإيمان ذُو شُعبٍ، والحياءُ شعبةٌ من الإيمان» .
فإن قيل: إذا كان الإيمان عندكم على ما رويتموه [12] من العدد بضعًا وستِّين، أو سبعين شعبة، أو بابًا، فهل يُمكنكم أن تُسمُّوها بأسمائها بابًا بابًا، كما حصرتموها عددًا وحسابًا؟ أرأيتم إنْ لم يمكنكم ذلك، وعجزتم عن تفصيلها شيئًا شيئًا، هل يصحُّ إيمانُكم بما هو مجهول عندكم، غير معلوم لكم؟
قيل: إنَّ إيماننا بحقِّ ما كُلِّفناه من ذلك صحيح، والعلم به حاصل، والجهل معه مرفوع، وذلك من وجهين:
أحدهما: أنَّه قد نصَّ على أعلا الإيمان وأدناه باسم أعلى الطاعات وأدناها، وهو في خبر سهيل بن أبي صالح، فدخل في ذلك جميع ما يقع بينهما من جنس
ص 22
الطاعات كلِّها، وجنسُ الطاعات معلومٌ غيرُ مجهول.
والوجه الآخر: أنَّه لم يُؤخذ [13] علينا معرفة هذه الأشياء بخواصِّ أسمائها، حتَّى يَلْزَمُنا ذكرها وتسميتها في عَقْد الإيمان، وإنَّما كُلِّفنا التصديقَ بجملتها، والاجتهاد في الإتيان [14] بما أمكن منها، كما كُلِّفنا الإيمانَ بأنبياء اللهِ وملائكته وكتبه ورسله، وإن كنا لا نُثبت أسماء أكثر الملائكة، وأسماءِ كثيرٍ من الأنبياء، صلوات الله عليهم أجمعين.
ثمَّ إنَّ ذلك غيرُ قادحٍ فيما أتينا به من أصل [15] الإيمان، وقد رُوي عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم فيما يَحكي عن ربِّه عز وجل: «أعددتُ لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خَطَر على قلب بشر» [16] . وقد يلزمنا الإيمانُ بها جملةً، وإن كان لا سبيلَ لنا إلى معرفة تفصيلها، وقد أشبعنا الكلامَ في بيان زيادة الإيمان ونقصانه وسائر أحكامه، فمن أَحَبَّ أن يَسْتَوْفيَ ما ذكرناه من عِلمه فليأخذه من كتاب «السِّراج» [17] ، فالقدر الذي ذكرناه هاهنا كافٍ على شرط ما أُنشئ له هذا الكتاب إن شاء الله [18] .
[1] في الأصل هنا زيادة كلمة (قال) ، ولم أثبتها للتكرار.
[2] في (ط) : (أبا عامر) .
[3] في (ر) : (قال الخطابي رحمه الله: وقد) .
[4] قوله: (بابًا) زيادة من (ط) .
[5] انظر: سنن أبي داود (4676) ، والترمذي (2746) .
[6] في (ر) و (ف) و (م) : (غير أنه) .
[7] في (ط) : (يتشعب) بالتاء بعد الياء
[8] في (ط) : (ولهذا صار من العلماء .... ) .
[9] في (ط) زيادة: (لعلكم)
[10] في (ط) : (فلم يُعتِّب) بالمضارع، وفي النسخ الفروع: (فتعتب) .
[11] (أن النعمان بن مرة الأنصاري) سقط من (ط) .
[12] في (ط) : (رأيتموه) .
[13] في (ط) : (توجب) بالتاء والجيم والباء.
[14] في (ط) : (بالإتيان)
[15] في (أ) و (م) : (أصول) .
[16] انظر: البخاري (3244) ، عن أبي هريرة.
[17] هكذا في النسخ الستة، وفي غريب الحديث للخطابي (1/ 20) : (الشجاج) ، وفي وفيات الأعيان (2/ 214) : (الشحاح) بمهملتين
[18] (إن شاء الله) سقط من (ط)