فهرس الكتاب

الصفحة 92 من 2203

47/ 162 - قال الإمام أبو عبد الله _ رحمه الله _: حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، قالَ: أخبَرنا مالِكٌ، عن أَبِي الزِّنادِ، عن الأَعْرَجِ:

عن أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ: «إِذا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ منامه

[1] فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَها في وَضُوئِهِ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لا يَدْرِي أَيْنَ باتَتْ يَدُهُ».

أمره [2] بغسل يدَه قبل أن يُدخلها الماءَ الذي يُريد أن يتوضَّأ منه أمرُ أدبٍ واستحباب، لا أمرُ إيجابٍ وإلزام [3] ؛ وذلك لأنَّه علَّقه بالشَّكِّ والارتياب، والأمر المُضَمَّن بالشَّكِّ والارتياب لا يكون واجبًا، وأصل الماء الطهارة، وبَدَن الإنسان على حكم الطهارة كذلك أيضًا، و إذا ثبتت الطهارةُ يقينًا لم تَزُلْ بأمرٍ مشكوك فيه.

وإنَّما جاء هذا في المياه التي هي [4] في حدِّ القِلَّة؛ إذ [5] كان قد جَرَت عاداتُهم باستعمال الآنية [6] الصغار في طهورهم، كالمخاضب [7] والرِّكَاءِ [8] ونحوها، دون المياه التي في الحياض والبرَك والمصانع الواسعة، فإنَّه إذا كان الماء في حدِّ الكثرة لم يكن هذا المعنى مَوهوبًا.

وذهب بعضُ أهل الظاهر إلى إيجاب غَسل اليد قبل إدخالها الإناءَ، فإن أدخلها

ص 64

فيه قبل غَسلها فسدَ الماءُ.

وفرَّق بعضهم بين نوم الليل ونوم النهار، وقال: وذلك لأنَّ الحديثَ إنَّما جاء في نوم [9] الليل؛ بدليل قوله: «أين باتت يدُه» ، والمبيت إنَّما يكون ليلًا، ولأنَّ الإنسانَ لا ينكشف لنوم النهار كما ينكشف لنوم الليل، فتطوف يده في أطراف بدنه كما تطوف يدُ النائم ليلًا، وربَّما أصَابت موضع العورة، وكانوا قَلَّ ما يستعملون الماء، إنَّما يستنجون بالحجارة ونحوها، وقد يكون هناك لَوثٌ من أثر الحَدَث لم يَنقِّه الاستنجاءُ بالأحجار، فَيعلَق بيده، فإذا غمسها في الإناء فَسَدَ الماءُ لمخالطة النجاسة إيَّاه.

وهذا الذي قاله واحتجَّ به قد يحتمل أن يكون، ويحتمل أن لا يكون، وأصل الماء الطَّهارةُ، وحُكْمُ البَدَنِ الطَّهارةُ كذلك ما لم يَتَيَقَّنْ نَجاسَةً، والمُتَمَكِّنُ المُسْتَقِرُّ لا يزول بالمكتفي [10] المُتردِّد بين أن يكون وبين أن لا يكون، فالاحتياط أن يغسلها، والقياس أن لا وُجُوب، وهو قولُ أكثر العلماء.

وفيه الدَّلالة على الفرق بين ورود النجاسة على الماء القليل وبين وُرود الماء عليها؛ لأنَّ مَعقولًا أنَّ [11] الماءَ الذي أمرَه صلى الله عليه وسلم بصبِّه من [12] الإناء على يده لغسلها وإزالة نجاسةٍ إن كانت عليها [13] ماءٌ قليلٌ، ثمَّ كان حكُمه الطُّهر والتطهيرَ، وحُكْمُ ما في الإناء من الماء _وإنْ كان [14] أكثرَ كميَّة منه_ حكم التَّنْجِيس لو كان تَيقَّنَ نجاسةً بيده، فدلَّ على الفرق بين الأمرين.

وفيه دلالةٌ على أنَّ غَسلَ النَّجاسة سبعًا مخصوص به بعضُ أنواع النجاسات، وأنَّ ما عداه بخلافه.

[1] في النسخ الفروع: (من نومه) .

[2] في (ط) (أَمْرُه إيَّاه) .

[3] في النسخ الفروع: (لا إلزام وإيجاب) إلَّا (أ) : (لا إيجاب وإلزام) .

[4] (هي) : ليست في (ط) .

[5] في الأصل: (إذا) والمثبت من (ط) .

[6] في النسخ الفروع: (الأواني) .

[7] (المخاضب) : جمع المِخضَب بالكسر: إناء شبه الإجاَّنة يغسل فيها الثياب (التاج _خضب_) .

[8] (الرِكَّاء) جمع الرَّكوة: إناء صغير من جلد يشرب فيه الماء (التاج: ركو) .

[9] في (ط) : (النوم) بلام التعريف.

[10] في (ط) : (بالمتكفي) .

[11] في (ط) (معقولًا لأن) ، وسقطت (لأن) الأولى منها.

[12] في (ط) : (عن) .

[13] في النسخ الفروع: (نجس إن كان بها) إلَّا في (م) (لها) بدل (بها) .

[14] (كان) سقطت من (ط) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت